أحد بعد عيد الظهور الإلهي 13-1-2008
الرسالة
بروكيمنن:.لِتكُن يا ربُّ رحمتُك علينا.
ستيخن: ابتهِجوا أيُّها الصدِّيقون بالرَّبِّ.
فصل من رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل أفسس(7:4- 13)
يا إِخـوةُ، لِكُلِّ واحـدٍ مِـــنَّا أُعطيَتِ النِعمةُ على مِقدارِ موهِبَةِ المسيح.. فَلذلكَ يقولُ: “ لمَّا صعِدَ إلى العُلى سبى سبــياً وأَعطى الناسَ عطــايا”. فَكَونُهُ صعِدَ هل هوَ إِلاَّ إِنَّهُ نزَلَ أولاً إلى أَســافلِ الأرض؟ فذاكَ الذي نزَلَ هو الذي صَعِدَ أيضاً فوقَ السـمواتِ كُلِّها لِـيَملأّ كلَّ شيء. وهوَ قد أُعطى أن يكونَ البعضُ رُسُـــلاً والبعضُ أنبياءَ والبعضُ مبــشِّـرينَ والبعــضُ رعــاةً ومُـعَـلّمين. لأجلِ تكميلِ القديسينَ وَلِعَمَلِ الخدمة وبُنــيانِ جسَــــــــدِ المسيــح، إلى أَن ننتَهــــي جمــيــعُـــنا إلى وِحــدة الإيمــان ومعـرِفَةِ إبنِ اللّـه، إلى إنسـانٍ كامـِلٍ، إلى مقـدارِ قامَةِ مِلِء المسيح.
الإنجيل
فصل من بشـــارة القديس مَتّى الإنجيلي (12:4 - 17)
في ذلك الزمان لمَّا سمع يسوعُ أنَّ يوحنا قد أُسْــلِمَ انصرفَ إلى الجليل، وترك الناصرةَ وجاءَ فَسَـكن في كَفْرناحوم التي على شاطىء البحر، في تُخوم زَبولّون ونَفْتاليمَ.لِيَتِمَّ ما قيل بأشعياءَ النبي القائل : “ أرض زبولون وأرض نفتاليم طريقُ البحر، عَبْرَ الأردنِّ، جليلُ الأُمم، الشعبُ الجالس في الظلمة أَبصر نوراً عظيماً والجالسون في بقعَةِ الموتِ وظلالهِ أشرق عليهم نورٌ ”. ومنذئِذٍ ابتدأَ يسوعُ يكرِز ويقول : “ توبوا فقد اقتربَ ملكوت السماوات.”
العقيدة الأرثوذكسية
وبهذا المعنى يتابع الرسول بولس: [لأَنَّهُ جَعَلَ اَلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اَلْلَّهِ فِيهِ] [2 كورونثوس 5: 21]. أى أن الله تصالح مع البشر الخطأة وغفر خطاياهم وبرّرهم وضمهم إليه من خلال شخص الابن الوحيد الحبيب الذى وحّد ذاته معهم...
هكذا كان الحمل الذى كان يُذبح فى الهيكل صباحا ومساءً تكفيرًا عن خطايا الشعب رمزًا وإشارة إلى المسيح الذى قال عنه يوحنا المعمدان: [هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ اَلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ ] [يوحنا 1: 29]...
* بالصليب انتصر المسيح على الألم والموت بدخوله فيهما :
وهناك أخيرً، معنى ثالث بالغ الأهمية يتجلّى فى الصليب... لقد دخل البشر بالخطيئة فى مملكة الموت (وبلغة الكتاب والآباء تُدعى " الجحيم"). وساد عليهم الحزن والألم والضعف والفناء... لقد أصبحوا كمن اُغلَّق عليهم فى سجن مظلم رهيب. لقد كان بإمكان الله أن يحرّرهم من الخارج، بكلمة منه فقط، بإرادته الفائقة... ولكن محبته دفعته أن يشارك البشر أولاً مصيرهم لكى يوحّد ذاته معهم...
المحبة تدفع المحبّ إلى مشاركة المحبوب فى آلامه. هكذا محبة الله للإنسان، كما نعتها كاباسيلاس، لم تدفعه إلى إجتياز الهوة الفاصلة بين الخالق والمخلوق وحسب - وهذا هو التجسّد - بل إلى مشاركته أيضًا فى جحيم بؤسه...
فالإله بتجسّده: [فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا...] [عبرانيين 2: 14]شاء أن يصير شبيها فى كلّ شئ بالبشر الذين إتخذهم إخوة له: [مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيماً، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِيناً فِي مَا لِلَّهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ] [عبرانيين 2: 17]... أن يشاركهم أيضًا بكلّ ما تعرّض له هذا اللحم والدم، من جرّاء الخطيئة، من حزن وضيق وآلام وموت... هكذا إكتمل التجسّد ودخل ابن الله إلى صميم الطبيعة الإنسانية، مختبرًا إياها بكلّ شقائه، حتى يشعر الإنسان فى حزنه وبؤسه، فى آلامه الجسدية والمعنوية، فى نزاعه وموته، إنه محبوب، وأن الله نفسه شاركه فى ذلك كلّه...
لقد جعل الله نفسه طريح الألم لكى لا يشعر الإنسان أنه يعانيه وحده بلّ برفقة الإله المتجسّد الذى عاش آلام الإنسان فى نفسه وجسده، بمعيّة ذاك الذى كُتب عنه: [لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّباً يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ] [عبرانيين 2: 18]. هكذا دخل يسوع المسيح، حبًا بالإنسان، مملكة الموت التى كان غريبًا عنها إطلاق، ليس فقط من حيث إلوهيته التى هى ينبوع الحياة، بلّ من حيث إنسانيته أيضًا. فإنسانية يسوع المسيح لم تعرف الخطيئة البتة ولذلك فقد كانت بالكليّه غريبة عن مملكة الموت، ذلك الموت الذى إنجرف إليه الإنسان بالخطيئة...
مملكة الموت هى مملكة الشيطان الذى قتل الناس بالخطيئة، ولم يكن للشيطان شئ فى إنسانية يسوع المسيح البريئة من كل عيب، ولذا قال يسوع لتلاميذه قبل تسليمه بقليل: [لأَنَّ رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ (أى الشيطان الذى تسلّط على العالم بالخطيئة) يَأْتِي (أى أن يسوع سوف يدخل بالموت إلى مملكته) وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ] [يوحنا 14: 30]...
فى تلك المملكة التى كان غريبًا عنها بالكلّية، مملكة الموت والشيطان الذى له [سُلْطَان اَلْمَوْتِ] [عبرانيين 2: 14]...
الحياة الروحية
لا تجد النفس راحتها إلا في المسيح لأنه الحقيقة والصلاح وكل ما يجب ولا حقيقة ولا صلاح غيره ولا يجيز للنفس بقدر ما فيها من المحبة التي أعطيت لها منذ الخليقة أن تتمتع وتفتش عن خيرات غير الخيرات التي منحت لها بال معمودية. إن خيرات هذا العالم لا تثير في النفس لا المحبة الحقيقية ولا الفرح لأنها خداعة ولا تتفق مع طبيعتها وكثيراً ما تكون الخيرات التي نراها في العالم مقبرة للخير. يحدث في عال م فوق الطبيعة المعكوس. لا شيء يتعارض مع الآخر. المحبة والفرح يظهران بصورتهما الخلابة الرائعة والله قد خصهما به لنحبه ونفرح به ويقاس عزم هاتين العاطفتين في لا نهاية هذا الخير. لنقدر عظمة هذه المحبة ولنعترف بسموّ درجتها. فالله لا يطلب إلا محبتنا ليعتقنا من كل ديننا. كيف لا نعتبر الله الديان أسمى ما في السمو وهو الذي بعدله يجعلنا معدلين للخير اللانهائي. بالفعل إن قمة المحبة تفرض قمة الفرح، فالفرح هو من فعل المحبة. والفرح العظيم يأتي من المحبة العظيمة فلا مجال للشك بأن الأرواح تختفي في ذاتها إمكانية عظيمة وعجيب ة من الفرح والمحبة وتبتدئ ناشطة، منذ حضور السامي، في المجال المحبوب جداً فيها. وهذا ما يدعوه يوحنا بالفرح الكامل )يوحنا 15:11
وهكذا عندما يحل الروح القدس فينا ينشر أول ما ينشره من المواهب المحبة والفرح " ثمر الروح هو المحبة (غلاطية 5: 22). ما هو السبب؟ لأن الله عندما يحل فينا يشعرنا بوجوده ومن يشعر بحضور الصلاح يحبه ويفرح به ضرورة.
معرفة الله تعطى بالمعمودية
عندما صار مخلصنا إنساناً طلب أول ما طلبه أن يعرفوه. هذا ما أظهره وعلمه منذ البداية ومن أجل هذه الغاية تجسد مكرساً ذاته من اجلنا :" أتيت إلى العا لم لأشهد للحقيقة" (يوحنا 8:37). فالحقيقة هي المسيح. تجّنب المخلص أن يقول ذلك تواضعاً " لكي لا اشهد عن نفسي ". وهذا ما يستمر على فعله مع المعمدين. أنه يشهد للحقيقة ويبعدهم عن الخيرات الخداعة ويقوم واهباً الخير الحقيقي بكشفه لهم نفسه حسب تعبيره (يوحنا 18:37 و14: 22).
الأفعال كما قلت تظهر أن هذه التأكيدات أساسية وأن المعمدين يتميزون بنوع من الإدراك الإلهي.وإذا كانت هذه الحقيقة تحتاج إلى براهين قاطعة من قبل الكثيرين من الرجال القديسين فما علينا إلا أن نقرأ صاحب النفس الشفافة المشعة ونسمع الصوت الرنان كالذهب، صوت يوحنا الذهبي الفم : "أن مجد الله ينعكس كما مرآة ليحولنا إلى صورته. ماذا يعني ذلك؟ كان من السهل أن نفهم ذلك لو كانت العجائب فينا أكثر حيوية في فعلها الكامل. هذه الحركة تظهر في الوقت الحاضر عند المستنيرين بالإيمان. عندما نعتمد تصبح نفسنا المطهرة بالمعمودي ة أكثر إشعاعاً من الشمس لا من حيث طبيعتها الخاصة فحسب بل بسبب بريق الشمس لأنها تقبل من الروح شعاع المجد حتى تنتهي بامتلاك إشعاع خاص بها، ولا تصير كذلك إلا بروح السيد الذي ينقل لها ذلك ". ويقول في مكان آخر : "أتريدون أن تصبح هذه الحقيقة محسوسة؟ تذكروا القديس بولس والقديس بطرس اللذين كان لهما تأثير عظيم، الواحد بثيابه والثاني بظله. لم يكن للثياب زهوة ولا للظل لو لم يكن الرسولان من حملة صورة الملك ولو لم يكن إشعاعها انعكاساً لمجد لا يدرك. فالعباءة الملوكية توحي بالخوف لفاعلي الشر. أتريدون أن تروا هذا الإشعاع من خلال الجسد؟ أن وجه استفانوس ظهر للأعين الشاخصة إليه كأنه وجه ملاك (أعمال 6:1)، لا شيء يوازي البهاء الداخلي. ما حمله موسى فوق جبينه حمله القديسون في أعماق قلوبهم بصورة أكثر بهاءً. كان إشعاع موسى حسياً وإشعاع الرسل فوق الحس. الذرات المشعة من أجسادٍ مشعة تنعكس على الأشياء المحيطة بها وتنقل إليها إشعاعها، وهذا ما يقال عن المؤمنين، أن النفوس المختارة تنفصل عن الأرض ولا تحلم إلا بالسماء. ولكن ويا للأسف ! هناك ما يدعو إلى البكاء والنحيب عندما نفكر أننا نحن، ورثة هذا الشرف العظيم، لا نفهم حتى ما قيل لنا. ننسى سريعاً ونترك أنفسنا في يد الأشياء الأرضية الخداعة.