الأحد الرابع عشر من لوقا – للقديس يوحنا الذهبي الفم 27-1-2008
الرسالة
بروكيمنن: إنَّ فمي يَتَكَلَّمُ بالحِكمَةِ.
ستيخن: إِسْمَعوا هذا يا جميعَ الأُمَم.
فـصــل مـن رســالـة الـقـديـس بـولــس الــرســـول إلــى الـعـبـرانـيـيــن (16:7-2:8)
يا إخوةُ، إنَّا يلائِمُنا رئيسُ كهنةٍ مثلُ هذا بارٌّ بلا شَرٍّ ولا دنَسٍ مُتَنزَّهٌ عنِ الخَطأَةِ قد صارَ أعلى منَ السماوتِ. لا حاجَةَ لهُ أَنْ يُقَرِّبَ كلَّ يومٍ مثلَ رُؤَساءِ الكهنَةِ ذبائِحَ عن خطاياهُ أولاً ثمَّ عن خطايا الشعبِ، لأنَّهُ قَضَى هذا مرَّةً واحدةً حينَ قرَّبَ نفسَهُ. فإنَّ النّاموسَ يُقيمُ أُناساً بِهِمِ الضُّعفُ رؤَساءَ كهَنَةٍ. أمّا كلِمَةُ القسَمِ التي بعدَ النّاموسِ فتُقيمُ الابْنَ مُكَمَّلاً إلى الأبدِ. ورأْسُ الكـلامِ هو أنَّ لنا رئيسَ كهَنَةٍ مثلَ هذا قد جلَسَ عن يَمينِ عرشِ الجلالِ في السَّماواتِ وهوَ خادِمُ الأقداسِ والمسكِنُ الحقيقيِّ الذي نَصَبَهُ الربُّ لا إنسانٌ.
الإنجيل
فــصـــــل من بــشـــــارة الـقــديـــس لـوقـا الإنجيلي (35:18 - 43)
في ذلك الزمان فيما يسـوعُ بالقُربِ مِن أريحا، كان أعمى جالساً على الطريق يَســتعطي، فَلَمّا سَـمِعَ الجمعَ مُجتازاً سـألَ:" ما هـذا؟ " فأُخبِرَ بأنَّ يسوعَ الناصريَّ عابِرٌ، فَصرَخَ قائلاً:" يا يسوعُ ابنَ داود، ارحَمْني!" فَوَقَفَ يسوعُ وأمَرَ أنْ يُقَدَّمَ إليه. فَلَمّا قَرُبَ سألَه:" ماذا تريد أنْ أَصْنَعَ لكَ؟" فقال:" ياربُّ أنْ أُبْصِرْ ". فقال له يسوعُ:" أَبْصِرْ، إيمانُكَ قد خَلَّصَكَ ". وفِي الحَالِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَهُ وهو يُمَجِّدُ اللّه. وجميعُ الشعبِ إذْ رَأَوا سَبَّحوا اللّه.
العقيدة الأرثوذكسية
القيامة إنفجار قوة الفداء المحيية... ويمكننا لجلاء معانيها أن نتأملها من وجهتى النظر التاليتين:
* القيامة فيض الحياة الإلهية فى إنسانية يسوع المنفتحة إلى الله بعطاء كامل :
إن الرب يسوع بالصليب بلغ قمّة التخلّى عن إرادته الذاتية وقدّم ذاته بكلّيته إلى الله الآب... تقدمة محبة كاملة وعطاء لا تحفظ فيه... هكذا أصبحت إنسانية يسوع منفتحة كل الانفتاح على الله الآب فى شركة حب كاملة معه، لذا تدفقت فيها الحياة الإلهية كلها وتحولت بالمجد الإلهى... لقد كان مجد الألوهة بالطبع حالاً فى المسيح منذ تجسّده، إذ لم يزل إلها بعد أن إتّخذ جسدن، إلا أن هذا المجد كان مستترً، محجوبًا وراء الطبيعة البشرية التى إتّخذها ابن الله بحدودها وشقائها... لذا جاع المسيح وعطش وبكى وتألّم... لقد كانت الألوهة مستقرة فى قلب كيانه ولكنه كان يبدو فى الظاهر إنسانا كبقية الناس... ولكن عندما اكتمل عطاء يسوع المصلوب إجتاح المجد الإلهى الكامن فيه والمحتجب وراء طبيعته الإنسانية هذا الناسوت كله وملأه بقوة الله وحياته وجماله...
عند الفجر تكون الشمس أولاً متخفية وراء الأفق، يتراءى نورها خفيفً، ناعمً، لا يُبهر الأنظار، ثمّ ينفجر النهار ويغمر النور الكون كله ويضفى على الأشياء كلها بهاءًا ساطعا... هكذا ألوهة الرب يسوع المسيح المستمدّة أزليًا من الله الآب فاضت بالصليب فى ناسوته المنفتح كليًا إلى الآب، فتمجّد هذا الناسوت وانتصر على الموت...
لقد كانت حادثة التجلّى: [وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ. وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: يَا رَبُّ جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا! فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ. لَكَ وَاحِدَةٌ وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ. وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ وَصَوْتٌ مِنَ اَلسَّحَابَةِ قَائِلاً: هَذَا هُوَ اِبْنِي اَلْحَبِيبُ اَلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اِسْمَعُوا. وَلَمَّا سَمِعَ اَلتَّلاَمِيذُ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَخَافُوا جِدّاً. فَجَاءَ يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: قُومُوا وَلاَ تَخَافُوا. فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ وَلَمْ يَرَوْا أَحَداً إِلاَّ يَسُوعَ وَحْدَهُ] [متى 17: 1 - 9 ولوقا 9: 28 - 36]...
مقدمة وصورة للقيامة كما يتّضح من توصية يسوع بعد الحادثة: [وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ اَلْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلاً: لاَ تُعْلِمُوا أَحَداً بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ اِبْنُ اَلإِنْسَانِ مِنَ اَلأَمْوَاتِ] [متى 17: 9]...
فعلى جبل التجلّى فاض نور الألوهة المستقرّ فى الرب يسوع المسيح، فى جسده، فتغيّر منظره وصار وجهه مضيئًا كالشمس وثيابه بيضاء كالثلج، لامعة كالنور... وقد حدث هذا التحوّل عندما كان موسى وإيلي، اللذان ظهر، يتحدّثان مع يسوع: [اَللَّذَانِ ظَهَرَا بِمَجْدٍ وَتَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ اَلَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ] [لوقا9: 31]...
لقد تجلّى يسوع عندما كان يتحدّث عن موته، وفى ذلك إشارة إلى أن إنسانية يسوع كانت سوف تتمجّد بالموت... تلك العلاقة الوثيقة بين الصليب وتمجيد يسوع، قد أوضحها الكتاب المقدّس فى مواضع مختلفة...
ففى إنجيل يوحنا نرى يسوع يقول لتلاميذه قبل آلامه بفترة وجيزة: [وَأَمَّا يَسُوعُ فَأَجَابَهُمَا: قَدْ أَتَتِ اَلسَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ اِبْنُ الإِنْسَانِ] [يوحنا 12: 23]...
وأضاف موضحا كيف يتم التمجيد: [اَلْحَقَّ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ اَلْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ] [يوحنا 12: 24]...
تمجيد يسوع هذا، إذًا، فى موته... كذلك فى الصلاة التى تفوّه بها يسوع قبل خروجه مع تلاميذه إلى بستان جسيمانى حيث أسلم ذاته، قال: [أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ اَلسَّاعَةُ. مَجِّدِ اِبْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ اِبْنُكَ أَيْضاً] [يوحنا 17: 1]... "الساعة" التى أتت هى ساعة الصليب والموت كما يتضح من مكان آخر: [فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَداً عَلَيْهِ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ] [يوحنا 7: 30]...
" أتت الساعة، فمجد ابنك" يعنى، إذً، أن ساعة الموت كانت بالنسبة للرب يسوع المسيح هى ساعة المجد...
الحياة في المسيح
موجز ونتيجة
تتلخص نتائج المعمودية كما يأتي: محو الخطيئة، مصالحة الإنسان مع الله، سكن الله في الإنسان، فتح أعين النفس بالأشعة الإلهية، تهيئة كل شيء لعام الاستقبال. فإذا سمينا المعمودية ولادة أو إذا نعتناها بنعت آخر مماثل لا نتعدى الواقع مع العلم أنها توقظ في النفس البشرية المستنيرة حديثا معرفة الله. أضف إلى ذلك كونها حقيقة وقاعدة حياة لأنها كما يقول مخلصنا" الحياة الحقيقية تقوم على معرفة الله الوحيد يسوع المسيح الذي أرسله" (يوحنا :17 3)، أو كما يقول سليمان الحكيم" معرفتك هي أساس الخلود" (حكمة :15 3)، وإذا أرادنا أن نعالج الأمر عقلياً فمن يجهل أن وجود الإنسان الحقيقي وسموه، يقوم في حياته العقلية ومعرفته؟ وإذا كان الأمر كذلك فهذه الحياة تقوم على المعرفة الكاملة الخالية من كل ضلال. أهناك معرفة أكثر كمالاً من المعرفة التي تستهدف الله الذي يفتح أعين النفس ويوجهها نحوه بعيداً عن كل ضلال هذا ما تفعله المعمودية.
مما تقدم تبين أن المعمودية تعطي مبدأ الحياة بيسوع المسيح إلى البشر كما تعطيهم الوجود والحياة الحقيقيين. فإذا كانت هذه الأفعال لا يظهر عملها في كل المستنيرين حديثاً لا يعني أن السر مسؤول عن ذلك بل الأفراد الذين لم يستعدوا جيداً لقبول النعمة أو لأنهم بدّدوا الكنز المعطى لهم بالمعمودية.
ألا يكون أجدى وأعدل لو اتهمنا أولئك الذين لا يحملون إمكانية قبول السر بدلاً من أن نقول بعدم فاعلية السر الواحد المعطى للجميع! من الواضح أن هذه الغزارة من المواهب تعود إلى المعمودية لا إلى طبيعتنا ولا إلى الجهد الشخصي و إلاَّ كيف يقبل أن يكون الشيء الواحد مضيئاً ومظلماً في وقت واحد؟ كيف يمكن أن يجعل الإنسان سماوياً وألا يجعله؟ يرفع إلى ما فوق ولا يرفع؟ أنستطيع أن نتهم الشمس بالظلمة وأن ننكر نورها إذا كان بعض البشر لا ينظرون أشعتها؟ أننا نخاطب الذين ينظرون وإذا تكلمنا خلافاً لذلك فأننا نتهم بعدم المنطق، إذا قلنا أن من الاستنارة يصدر غير النور ما تعنيه هذه الكلمة.
المسحة ووضع الأيدي
هذا الترميم الروحي وهذا التجديد بالمعمودية يستدعيان أفعالاً ونشاطات تتناسب معهما. المسحة هي التي تعطي هذه الأفعال وتجعل القوى الروحية، كل القوى، في ح ركةٍ وفقاً لقابلية الفاعل وتعطي للمعمدين النتيجة التي كانت تعطى بواسطة وضع الأيدي على المستنيرين حديثاً من قبل الرسل،"بوضع أيدي الرسل كان الروح القدس ينزل على المعمدين حديثاً "(أعمال الرسل 8:38- 39)، وهكذا ينزل المعزي في أيامنا على المثبتين واليك البرهان.