أحد عيد الظهور الإلهي              6-1-2008 

الرسالة

بروكيمنن: مباركٌ الآتي باسم الرب.

ستيخن:اعترفوا للربِّ فإنَّهُ صالحٌ.

فصل من رسالة القديس بولس الرسول إلى تيطس ( 2: 11-14 و 3: 4-7 )

يا ولدي تيطُـس لقد ظهَـرَت نعـمةُ اللّهِ المخلِّصةُ لجميع الناس، وهي تُؤَدِّبنا لنُنكِرَ النـفـاق والشــهـوات العالـميَّــةَ فنَحــيا في الدّهرِ الحاضرِ على مقتضى التعقُّلِ والعدلِ والتقوى، مُنتَظرينَ الرجاءَ السعـيدَ وظهورَ مجـدِ إلهِـنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح. الذي بذل نفسـه لأجلـنا ليفـتَديـنا من كلِّ إثمٍ ويُطهِّــرَ لنفسِــه شعـباً خاصاً غيوراً على الأعمال الصالحة. فلمّا ظَهرَ لُطفُ اللّهِ مخلِّصنا ومحبَتَهُ للناس، خلَّصنا هو، لا لأعمالٍ في البِـرِّ عَمِلـناها نحن، بل على مُقتضى رحمتهِ، بغسلِ الميـــلاد الثاني وتجديدِ الروحِ القُدُس، الذي أفاضهُ علينا بسخاءٍ بيسوعِ المسيح مُخَلِّصنا. حتى إذا تبرَّرنا بنعمتهِ نَصيرُ ورَثَة على حسبِ رجاءِ الحياةِ الأبديَّةِ.

 

الإنجيل

فـصـل من بــشـــارة الـقــديـــس مـتّى الإنجــيـلي (3: 13 - 17)

في ذلك الزمان أقبَلَ يسوعُ من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتَمِدَ مِنْه، فكان يوحــنا يُمانِعُـهُ  قـائلاً: “أنا محتاجٌ أنْ أعتَمِدَ منكَ، أوَأنتَ تأتي إليَّ! ”، فأجابهُ يسوعُ قائلاً: “دَعِ الآنَ، فهكذا ينبغي لنا أن نُتِمَّ كلَّ برٍّ”. حينئذٍ تركهُ. فلمَّا اعتمدَ يسوعُ صَعِدَ للوقت من الماء وإذا السّـماواتُ قدِ انْفَـتَـحَت لهُ فرأى روحَ اللّهِ نازِلاً مـثلَ حمامة وحالاًّ عليهِ، وإذا صوتٌ من السماءِ قـائلاً: “هذا هو ابـني الحبـيب الذي به سُــرِرْتُ”.

 

العقيدة الأرثوذكسية

اَلْفِدَاء

وصلّى من أجل قاتليه: [يَاأَبَتَاهُ اِغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ] [لوقا 23: 34]... وأراد، وهو المعلّم والسيّد، أن يكون وسط تلاميذه كالخادم: [لأَنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ؟ أَلَّذِي يَتَّكِئُ أَمِ اَلَّذِي يَخْدِمُ؟ أَلَيْسَ اَلَّذِي يَتَّكِئُ؟ وَلَكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدِمُ] [لوقا 22: 27]... وأن يغسل أرجلهم: [قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ وَخَلَعَ ثِيَابَهُ وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ وَاِبْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ اَلَّتِي كَانَ مُتَّزِراً بِهَا] [يوحنا 13: 4، 5].

هذا العطاء الذى به أراد المسيح أن يستأصل أنانيتن، بلغ ذروته فى الصليب... كان فى وسع المسيح أن لا يموت بالنظر لللاهوت الكامن فيه... ولكنه ذهب فى تخليه عن " الأنا" إلى أقصى الحدود، باذلاً ذاته للموت... وهكذا قدّم حياته على الصليب قربان محبة للآب، وتعبيرًا عن تخلّيه التام عن مشيئته الذاتية، كما قال بنفسه فى بستان جسيمانى:

[يَا أَبَتَاهُ إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ اَلْكَأْسُ وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ.... يَا أَبَتَاهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هَذِهِ اَلْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ] [متى 26: 39، 42]... وكما ورد فى الرسالة للعبرانيين: [ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ، وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَداً. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ. ثُمَّ قُلْتُ: هَئَنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ] [عبرانيين 10: 5 - 7]...

 هكذا تمرّد آدم، وأطاع المسيح. تكبّر آدم، فتواضع المسيح. اكتفى آدم بذاته، فتخلّى المسيح عن ذاته: [وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى اَلْمَوْتَ مَوْتَ اَلصَّلِيبِ] [فيليبى 2: 8]... وهكذا بموته على الصليب، أعطى البشرية الدواء الشافى لداء الأنانية الذى فصلها عن الله...

* بالصليب أخذ المسيح على ذاته خطيئتنا:

ومن وجهة نظر أخرى، نرى أن الرب يسوع المسيح، لكى ينقذنا من الخطيئة التى أصبحنا نئن تحت وطأته، شاء أن يأخذها على نفسه، لا أن يأخذها هى بلّ أن يحتمل فى ذاته نتائجها المريعة حبًا بنا. إن المحب يود لو أنه يستطيع أن يأخذ على نفسه مرض المحبوب ليخلصه من وطأته...

ولكن ما لا يستطيع أن يفعله الحب البشرى، استطاع أن الرب يسوع المسيح أن يتممه إذ أنه، لأجل محبته لن، أخذ على نفسه مرضنا لينقذنا منه: [لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا0 وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً ‏مَضْرُوباً مِنَ اَلْلَّهِ وَمَذْلُولا] [أشعياء 53: 4]... و [لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا] [متى 8: 17]. فإنه وهو البرئ من كل خطيئة، أخذ على نفسه كل الشقاء الذى جرّته الخطيئة على الجنس البشرى: [نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ ‏فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيهِ... وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا0 تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا ‏عَلَيْهِ وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا] [أشعياء 53: 2، 5]... وكانه متروك من الله نفسه: [إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟] [متى 27: 46]. حاصلاً فى ظلمة وحزن مميتين: [ نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى اَلْمَوْتِ] [متى 26: 38]...

هكذا تجسّمت فى المسيح - وهو لم يعرف خطيئة - كل مأساة خطيئة البشر: [كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ ‏جَمِيعِنَا] [أشعياء 53: 6]...

وكأنه صار هو خطيئة على حد تعبير الرسول بولس: [لأَنَّهُ جَعَلَ اَلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا] [2 كورونثوس 5: 21]... وهكذا فإن يسوع المسيح على الصليب ظهر لله الآب مجسمًا فى جسده الجريح، الممزّق، المختنق، وفى نفسه المنسحقة، بشاعة كل خطيئة البشر التى أخذها على نفسه فصار شفيعا للخطأة أجمعين عندما وحد ذاته معهم: [لِذَلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ اَلأَعِزَّاءِ وَمَعَ اَلْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ ‏سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ ‏وَشَفَعَ فِي اَلْمُذْنِبِينَ] [أشعياء 53: 12]...

ذلك أن الآب لم يعد ينظر إلى الخطأة إلا من خلال هذه الصورة، صورة ابنه الوحيد الحبيب المصلوب الذى جعل نفسه كواحد منهم.

 

الحياة في المسيح

كثيرون هم الذين فتشوا خلال العصور عن الدواء للشرور البشرية ولكن موت المسيح وحده رد لنا الحياة والصحة، لذلك إذا أردنا أن نولد هذه الولادة الجديدة وأن نعيش من هذه الحياة المغبطة ونتهيأ لاستعادة الصحة فما علينا إلا أن نتناول هذا الدواء المقدم لنا من المسيح، وعلى قدر ما يستطيع الإنسان أن يقدم شهادة عن إيمانه ويقبل الآلام ويذوق الموت. هذه فضيلة الشريعة الجديدة وهكذا يولد الإنسان كاملاً ويصل إلى الحكمة الخارقة. هكذا يولد المسيحي وينهمك بالأعمال الكاملة ويبقى ثابتاً في إيمانه مخلصاً له راضياً به ينظم عادته لا بقوة الإقناع ولا بلجام الناموس ولكن بقوة الله ناقلاً بإيمانه وفضيلته صورته الإلهية "لأن الملكوت يكافئ الأعمال لا الكلام" (1كورنثوس 4: 20) "وعقيدة الصلب للمختارين قوة إلهية"  (1كورنثوس 1: 18).

المعمودية وناموس المحبة

هذا الناموس روحي لان الروح يفعل كل شيء ويقوم بكل شيء، أما ذاك فحرفي لأنه يتمسك بالكلمات والأصوات وهو ظل الشريعة الجديدة، وهذه حقيقة واقعية والكلمات والأحرف هي بالنسبة للأشياء صورة ورمز، وقد أعلن الله بها الحوادث على ألسنة الأنبياء في العصور السحيقة، "سأعقد ميثاقاً جديداً لا يشبه الميثاق الذي عقدته مع آبائكم هوذا الميثاق... "  (ارميا 31:33).

لكي تكون لنا معرفة بهذه الشريعة يقول داود:" أنا اعرف أن الرب عظيم"، اعرف ذلك بالتجربة لا من الغير ويحضنا على فعل ذلك:" ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب". ومع أن داود غّنى طيب الرب على أوتار كثيرة إلا أن أناشيده تعتبر عاجزة عن إعطاء فكرة صحيحة عن طيبه ويفرض على مستمعيه أن يدركوا ذلك بأنفسهم. المعمودية تحتفظ بهذه المعرفة للنفوس التي تقبلها. أنها توحي للخليقة الخلق وللذكاء الحقيقة وللقلب الكائن الوحيد المرعوب والرغبة التي توحيها حارة وملتهبة والحنان لا يوصف والمحبة تفوق الطبيعة. لا مجال لأي رغبة هنا. كل شيء مؤات، لا شيء يضاد. كل شيء غزير فلنفسر ذلك.

إن الله وضع في أعماق النفوس رغبة الوصول إلى الخير الذي تشتاقه وامتلاك الحقيقة التي تفتش عنها خلواً من كل خطأ. من يخدع لا يكون سعيداً ولا يفرح، من يضل أو من يصادف الشر بدلاً من الخير وبالرغم من هذه الرغبة الملحة لا يملك الخير ولا الحق نقيين من كل مزيج وكثيراً ما يكون ما نسميه خيراً وحقاً معكوساً. أننا لا نستطيع أن نتصور أيضاً قوة المحبة وعزم الفرح وهوس الرغبة وتأجج اللهيب ما دام غرض إيماننا وفرحنا غائباً، وغرض إيماننا لا يمكن أن يوجد في الأرض، أن المرغوب موجود لأولئك الذين يذوقون الرب والقلب وجد كدرج فسيح ليحوي المرغوب هذا الكنز الثمين، يحوي الله. فلا شيء يطفئ رغبتنا ولا شيء يشبعنا. أننا دائماً في حالة عطش دائم كأننا لا نصل إلى غرض تجلياتنا. النفس البشرية عطشى "من يشرب من هذا الماء فلا بد له أن يظمأ. وأما الذي يشرب من الماء الذي أعطيه إياه، فلن يظمأ أبداً"  (يوحنا 4: 13- 14) هذا ما قاله السيد للسامرية. أنها المياه التي تهدئ رغبات النفس" سأرتوي إذا رأيت مجدك" (مزمور 16:15). خُلقت العين للنور والأذن للسماع، ولكل شيء غاية. ورغبة النفس الانطلاق نحو المسيح.