أحد الفريسي والعشار         17-2-2008 

الرسالة

بروكيمنن: صلُّوا وأَوفُوا الربَّ إلهنا.

ستيخن: اللّه معروفٌ في أرضِ يهوذا.

فـصـل من رسـالة القديس بـولس الرسـول الثانية إلى تيموثاوس ( 10:3-15 )

يا ولدي تيموثاوُسَ، إِنَّكَ قدِ استَقْرَيْتَ تعليمي وسِيرَتي وقَصدي وإِيماني وأَنّاتي ومَحـبَّـتي وَصَبري واضطِهاداتي وآلامي وما أَصابني في أنطاكِـية وإِيقونية ولِسْتَرَة، وأيَّةَ اضطهاداتٍ احتَمَلْتُ، وقد أَنقَذَني الربُّ مِنْ جميعِها.  وجميعُ الذينَ يُريدون أن يَعيشوا بالتَقوَى في المسيحِ يَسوعَ يُضْطَهَدون، أمَّا الأشرارُ والمُغْوُونَ مِنَ النّاسِ فَيَزْدادونَ شَـرّاً مُضِلّينَ ومُضَلّـين.  فاسْتَمـِرَّ أَنْتَ على ما تَعَلَّمْـتَهُ وأَيقَـنتَبهِ عالِماً مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ، وأَنَّكَ مُنذُ الطُفوليةِ تَعرِفُ الكتُبَ المُقدَّسةَ القادِرةَ أَنْ تُصَـيِّرَكَ حكيماً للخلاصِ بالإيمانِ بالمسيحِ يَسوعَ.

 

الانجيل

فصل من بشـــــارة القديس لوقا الإنجيلي (9:18 - 14)

قال الربَّ هذا المَثَل: " إنسانان صَعِدا إلى إلهيكلِ لِـيُصَلّيا، أَحدُهما فِرّيسِيٌّ والآخَرُ عَشَّارٌ. فكان الفِرّيسيُّ واقِفاً يُصلّي في نَفْسِهِ هكذا:" اللّهمَّ إنّي أَشـكُرُكَ لأنّي لَسْتُ كَسَائِرِ النّاسِ الخَطَفَةِ الظّالِمِين الفاسِقين ولا مِثْلَ هذا العَشَّار، فإنّي أَصُومُ في الأُسبوعِ مَرَّتَيْنِ وأُعَشِّرُ كلَّ ما هو  لِيْ ".  أمَّا العَشّارُ فَوَقَفَ عَنْ بُعْدٍ ولم يُرِدْ أَنْ يَرْفَعَ عَينَيهِ إلى السماءِ، بل كان يَقْرَعُ صَدرَهُ قائلاً: " اللّهمَّ ارحَمْني أنا الخاطىء ".  أَقولُ لكم: " إنَّ هذا  نَزَلَ إلى  بَيتِهِ  مُـبَرَّراً دون  ذاك.   لأنَّ كلَّ مَنْ رَفَـعَ نَفْــسَــهُ اتَّضَـعَ ومَنْ وَضَـعَ نَفْـسَــهُ ارتَفَـع.

 

العقيدة الأرثوذكسية

3 - إشتراكنا فى صليب الرب وقيامته

    * تمسك الإنسان بأنانيته مخافة من الموت:

إن ما فعله الرب بإجتيازه الموت الذى قاده إلى القيامة، إنما فعله من أجلنا...ذلك أن الإنسان كان عليه، كى يُخلّص من شقائه وتفككه،أن يقبل بالتخلّى للأنا، فيلاقى الله من جديد وينعم بحياته... ولكن الإنسان الساقط لم يعد قادرًا على هذا التخلّى لأن فى ممارسته شعورًا بالإنسلاخ والفراغ وضياع الذات... وبعبارة أخرى، إذا شاء الإنسان أن يعرض عن إتخاذ الأنا محورًا لكل شئ، شعر وكانه يموت، كأن حياته تفلت منه... لذا يتمسّك الإنسان بأنانيته مخافة من الموت... ولكنه بذلك يبقى بعيدًا عن الله، ينبوع الحياة، وبالتالى يبقى أسير الموت (بمعناه العام، أى بمعنى التفكك الكيانى الذى ليس الموت الجسدى سوى مظهر من مظاهره)...

إذً، الإنسان يبقى أسير الموت بداعى خوفه من الموت... تلك هى المفارقة الكبرى التى هى فى صميم مأساة الإنسان والتى يمكن لكلّ واحد منا أن يختبرها...

فلنتساءل: لماذا نخطئ، فنجعل حاجزًا بين الله وبيننا؟... الجواب العميق عن هذا السؤال هو أننا نخطئ مخافة من الموت... لماذا يسرق الإنسان؟.. لأنه مثلاً يخاف من الحرمان، والحرمان نوع من الموت... لماذا الكذب؟... لأنه مثلاً يخاف من العقاب، والعقاب نوع من الموت... لماذا يزنى؟... لأنه فى كثير من الأحيان يخاف من العزلة، والعزلة نوع من الموت... لماذا يتباهى؟... لأنه يخاف أن لا يعجب به الناس، أن يهملوه، وإهمال الناس له نوع من الموت...

مجمل الكلام أننا نستعبد أنفسنا للخطيئة، وبالتالى للموت، الذى هو على حدّ تعبير الرسول بولس: [أَجْرُ اَلْخَطِيْئَةِ ] [رومية 6: 32]...  لأن الخطيئة تفصل عن الله مصدر الحياة، بسبب خوفنا من الموت... هذا ما عبّر عنه الكتاب المقدّس فى الرسالة إلى العبرانيين بقوله: [وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ] [عبرانيين 2: 15]...  ولنا نموذج لذلك فى علاقتنا البشرية... كل إنسان يحلم بأن يعيش صداقة كاملة وحبًا كاملاً، لأن قلبه يتوق إلى شركة إنسانية كهذه يروى بها عطشه إلى حياة كاملة... ولكن الصداقة الكاملة والحب الكامل أمران يسعى إليهما الإنسان دون أن يتمكّن من إدراكهما كليًا... إنه فى أحسن الإحتمالات يقترب من تحقيقهما ولكنه، حتى فى هذه الحال، يُبقى على شئ كثير من العطش والعزلة...  إن إتحاده بمن يحب لا يمكن أن يكون كاملاً... لماذا؟...  لأن إتحاد الإنسان بمن يحبه لا يتم إلا إذا قبل الإنسان بأن لا يكون أناه محورًا لوجوده، بأن يتخلّى عن تملّك ذاته، بعبارة أخرى إذا قبل الإنسان بأن يمر بخبرة الموت... ولكن الإنسان فى وضعه الساقط، وأن قبل جزئيًا بتلك الخبرة، لا يستطيع أن يقبلها كليًا وفى الصميم... أنه يخاف الموت ولذا يبقى أسير العزلة وبالتالى أسير الموت...

* الكلمة المتجسّد الوحيد الذى استطاع أن يتخلى عن تملك ذاته:

يسوع المسيح وحده تمم بناسوته ما لم يكن بوسع أى إنسان أن يتممه... الإنسان يسوع المسيح استطاع وحده أن يتخلّى بالحقيقة عن تملّك ذاته، وبعبارة أخرى استطاع وحده أن يقبل الموت بالكلية وفى الصميم... ولذ، استطاع وحده أن يلج بإنسانيته إلى مجد الله... لقد كان رئيس الكهنة عند اليهود يدخل مرة فى السنة إلى قدس الأقداس (الذى كان يمثل السماء) حاملاً دم الذبائح...

الرسالة إلى العبرانيين تقول لنا أن ذلك كان رمزًا للمسيح الذى كان فى الآن نفسه الكاهن والذبيحة، وقد دخل بدمه المسفوك إلى مجد الله: [وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْخَلِيقَةِ. وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيّاً] [عبرانيين 9: 11، 12]...

هذا الدخول إلى مجد الله إنما ظهر بالقيامة...

 

الحياة في المسيح

من الممكن أن يكون الإنسان عاقلاً وأن يكون من أصحاب العادات التي لا غبار عليها فيعمل الخير ويعظ، وأن يكون فاضلاً يقوده العقل وصقلته التجارب، كما يكون رجلاً من أصحاب الإيرادات القوية التي تتمكن أن تتغلب على الأهواء، وأن يكون محباً ومطبقاً لكل عدالة وأن يمتثل في كل شيء للحق والعدالة ولكن مواهب الروح القدس هي التي تنقل له كمال المواهب فكما أن بعض الغرائز الحيوانية تنتقل إلى الممسوسين والمملوكين بالأرواح الشريرة كذلك الفضائل الفائقة الطبيعية تُنقل إلى النفس بواسطة الروح القدس. هكذا أحب الرسول بولس الذي كتب إلى أهل فيليبي يقول أنه يحبهم في أحشاء المسيح وكذلك قيل عن داود " وجدت رجلا حسب قلبي " يقوم بأعمال الوداعة. وكذلك فعل قديسون آخرون وبرهنوا عن كمال يفوق قواهم. إن الإيمان هو موهبة الروح القدس الذي طلبه الرسل من المخلص "زد إيماننا " (يوحنا  17:17) ويستجيب الله لمن يرجوه. ويتوسل الروح بتنهدات فائقة الوصف (رومية 8 :26) واهباً فضيلة الغنى لتضرعاتنا.

هذا باختصار: إن الروح القدس هو روح حكمة، روح فهم، روح مشورة، روح قوة، روح تقوى. إنه مواهب عديدة توهب لمن يقبله.

السر يفعل فعله

أن ختم الروح القدس يفعل فعله عند كل الممسوحين ولكن الشعور بهذه المواهب لا يكون واحداً عند الجميع ولا يعملون على توزيع هذا الكنز بالسرعة التي يستحقها وذلك لأنهم لم يصلوا إلى سن الإدراك، أو لأنهم يفتقرون إلى الاستعداد والقابلية وقت قبول المعمودية، ومع ذلك برهن البعض بدموع ندامتهم وحياتهم على أنهم قبلوا النعم الممنوحة لهم بالسر. وقد كتب الرسول بولس إلى تلميذه تيموثاوس يقول: "احذر من أن تهمل النعمة التي فيك"  (تيموثاوس 4:14)، لأن النعمة المهملة لا تفيد:  شيئاً وأن الكد والسهر مفروضان على الذين يريدون لأرواحهم مغنماً روحياً من هذا السر.

إذا رأينا إنساناً فاضلا يمتاز بالمحبة ويتميز بالنقاوة الخلقية وبعظم تواضعه وكثرة تقواه أو بأي فضيلة أخرى مطبقة تطبيقاً يثير الإعجاب فالسبب هي المسحة المقدسة التي أعطيت له وقت إتمام السر عن استحقاق والتي شعر بمفعولها فيما بعد. وينطبق هذا القول على الذين يكشفون المستقبل والذين يشفون المرضى والمعتوهين وأمراضاً أخرى بدون الالتجاء إلى المهن وعلى الذين يقومون بأشياء عجائبية أخرى. ما قيمة المسحة إذا كانت لا تفعل فعلها وقت إتمام السر؟ ما قيمتها إذا كنا لا نستطيع أن ننسب لها أفعالاً خارقة يقوم بها المؤمنون فيما بعد؟ ما هو فعلها إذا كانت لا تحقق ما نرجوه من إقتبالها؟