الأحد الثاني والثلاثون بعد العنصرة         3-2-2008 

الرسالة

بروكيمنن:الربُّ يُعطي قوَّةً لشَعبِهِ.

ستيخن:قَدِّموا للربِّ يا أبناء اللَّه.

فـصل من رسـالـة القديـس بـــولـس الرســول الأولى إلـى تيموثـــــاوس (9:4-16)

يا إِخوةُ، صادقةٌ هي الكلمةُ وجَدِيرةٌ بكُلِّ قَبُولٍ، فإِنَّا لهذا نتعَبُ ونُعيَّرُ لأَنَّا أَلقينا رجاءَنا على اللّه الحيِّ الذي هو مخلِصُ الناسِ أجمعين ولا سِيمَّا المؤمنين، فَوَصِّ بهذا وعلِّم بهِ. لا يستَهِنْ أحدٌ بفتوَّتِكَ بل كُنْ مثالاً للمؤمنينَ في الكلامِ والتصرُّفِ والمحبَّةِ والإيمان والعَفاف. واظِبْ على القراءَةِ إلى حينِ قدومي، وعلى الوعظِ والتعليم، ولا تُهمِلِ الموهِبَةَ  التي فيكَ، التي أُوتيتَها بنبوَّةٍ بوضعِ يدَي الكَهَنة.  تأَمَّل في ذلكَ وكُنْ عليهِ عاكِفاً، ليكونَ تقدُّمَكَ ظاهِراً في كلِّ شيءٍ.

 

الانجيل

فـصـل مـن بـشارة القديـــس لــــوقــا الإنجيلي (1:19 - 10)

في ذلك الزمان، فيما يسوع مجتازٌ في أريحا، إذا برجُلٍ اسمُهُ زَكَّا كان رئيساً على العشَّارين وكان غنيًّا، وكان يلتمِس أنْ يرى يسوعَ مَن هو، فلم يكن يستطيعُ من الجَمْعِ لأَنَّهُ كان قصيرَ القامة.  فتقدَّم مُسرِعاً وصَعِد إلى جُمَّيزةٍ ليَنْظُرَهُ لأنَّهُ كان مُزمِعاً أن يَجْتازَ ها.  فلَّما انتهى يسوعُ إلى الموضع رَفَعَ طَرْفَهُ فرآهُ، فقال لهُ: “يا  زَكَّا أَسرِعْ إنْزِلْ فاليومَ ينبغي لي أنْ أمكُثَ في بيتِكَ ”.  فأَسرعَ ونزَلَ وقَبِلهُ فرِحاً، فلمَّا رأَى الجميعُ ذلك تذمَّروا قائلين أنَّهُ دَخَلَ لِيَحُلَّ عند رجلٍ خاطىء.  فوقف زكَّا وقال ليسوعَ: “ ها أَنا ذا يا ربُّ أُعطي المساكينَ نِصْفَ أَمْوالي، وإنْ كنتُ قد غَبَنْتُ أحداً في شيء أرُدُّ أربعةَ أضعافٍ”.  فقال لهُ يسوع: “ اليومَ قد  حصل الخلاصُ لهذا البيت لأنه هو أيضاً ابنُ ابراهيم، لأن ابنَ البشرِ إنّما أتى ليطلُب ويُخَلِّصَ ما قد هَلَك”.

 

العقيدة الأرثوذكسية

الصليب، إذً، كان يحمل كلّ طاقة القيامة:

لقد دخل يسوع المجد (الذى له منذ الأزل وهو فى حضن الآب) عندما قبل بإجتياز الموت ولم يبق بعد ذلك إلا أن يظهر هذا المجد بقيامته من بين الأموات...

بالصليب، إذً، تحققت القيامة، لذلك فقد كانت آلة العار هذه بالنسبة ليسوع عرش المجد والظفر...

لذ، شبهها الرسول بولس بتلك المركبة التى يقف عليها قادة روما الظافرون ويدخلون بها إلى المدينة جارين وراءهم رؤساء الأعداء مقيدين...

هكذا إعتلى المسيح الصليب كمركبة ظفر وربط بها الأرواح الشريرة مقيّدة ذليلة:

[إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدّاً لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّراً إيَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أشْهَرَهُمْ جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ فِيه] [كولوسى 2:14، 15]...

ولذلك، تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بحزن وخشوع فى فى صلاة الساعة السادسة من يوم الجمعة العظيمة بذكرى الصلب منشدة ذاك النشيد المؤثر:

[يا من فى اليوم السادس وفى الساعة السادسة سُمّرت على الصليب من أجل الخطية التى تجَرّأ عليها آدم فى الفردوس.... يا يسوع المسيح إلهنا الذى سُمّرت على الصليب فى الساعة السادسة وقتلت الخطية بالخشبة وأحيَيْتَ الميت بموتك، الذى هو الإنسان الذى خلقته بيديك، الذى مات بالخطية، اقتل أوجاعنا بآلامك المشفية المحيية وبالمسامير التى سُمّرت بها... صنعت خلاصًا فى وسط الأرض أيها المسيح إلهنا عندما بسطت يديك الطاهرتين على الصليب، فلهذا كل الأمم تصرخ قائلة:المجد لك يارب...]...

مظهرة هكذا أنه حينما بلغت الظلمة أشدّها بموت المسيح، انفجر النور فى صميمها ولم يبق لنا إلا انتظار ظهوره فى صباح الفصح...

كذلك، فى خدمة" جناز المسيح"، التى يُحتفل بها بتذكار دفن المسيح، تنشد مع المراثى ترانيم القيامة...

ويا ليتنا نقر، ونتأمّل فى الإصحاح الثالث من مراثى أرميا النبى... القيامة تفجير لمملكة الموت بدخول سيد الحياة فيها:ومن جهة أخرى فقد رأينا أن الرب يسوع المسيح دخل فى مملكة الموت (وبعبارة أخرى فى الجحيم) لكى يشارك الإنسان بؤسه وشقاؤه... ولكن الموت لم يكن بإمكانه أن يضبط من هو بلاهوته سيد الحياة ومصدرها...

لذلك فقد كان دخول المسيح فى الموت حكما مبرما على الموت بالزوال...

والموت نتيجة الخطيئة، ثمرتها السامة، لذا تحطيم مملكة الموت يعنى أيضًا تقويض سلطة الخطيئة...

لقد دخل الرب يسوع المسيح بموته فى السجن الذى كنّا مقيّدين، مستعبدين، نئن تحت نير الشر والبؤس والموت، فدكّ هذا السجن الرهيب وحطمه من أساسه...

فأطلق الموت يسوع وأطلق معه البشرية جمعاء التى وحد يسوع ذاته بها... لذا تنشد الكنيسة معبّرة عن الخلاص بصورة شعرية:"أيها الرب، أيها الرب، أن أبواب الموت قد انفتحت لك من الخوف، ولما أبصرك بوابو الجحيم ارتعدو، لأنك حطمت أبوابه النحاسية وسحقت أقفاله الحديدية وأنقذتنا من ظلمة الموت وإدلهمامه وقطعت قيودنا"...

وأيضًا:" جمع الملائكة انذهل متحيرًا لمشاهدتهم إياك محسوبًا بين الأموات أيها المخلص وساحقا قدرة الموت ومنهضا آدم معك ومعتقًا إيّانا من الجحيم كافة"...

هكذا تحققت بقيامة المسيح النبوة التى كان قد تفوّه بها هوشع النبى:

[مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ ‏أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ] [هوشع 13:14]...

تلك النبوة ردّد الرسول بولس صداها بعدما تحققت بالمسيح منشدًا بنشوة الظفر الذى جعلنا يسوع مساهمين فيه:

[وَمَتَى لَبِسَ هَذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ وَلَبِسَ هَذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ:{ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ}. أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟] [1 كورونثوس 15:54، 55]...

وأضاف: [أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ. وَلَكِنْ شُكْراً لِلَّهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.] [1 كورونثوس 15:56، 57]... معلنًا أن إنتصار المسيح على الموت هو فى الآن نفسه إبادة للخطيئة فين، تلك الخطيئة التى تُنتِج الموت..

 

الحياة في المسيح

كان الملوك والكهنة تحت ظل الشريعة القديمة يمسحون. إذا كانت الكنيسة تستعمل المسحة لتنصيب الملوك، وتعمد إلى وضع الأيدي لسيامة الكهنة، مستدعية الروح القدس، فهذا يعني أن الكنيسة تنظر إلى المسحة ووضع الأيدي نظرة واحدة. أضف إلى أن الطقسين المقدسين يسميان ويلقبان بالألقاب والأسماء نفسها. فالسيامة تسمى مسحة كما أن الختم يقال له موهبة الروح القدس. وفي الواقع أن الكهنة القديسين يسمون السيامة مسحة كهنوتية، وعلى أساس اعتقادهم هذا يطلبون في ابتهالاتهم إلى الله أن يأخذ المختومون الروح القدس.السر أن يعطى إلى الذين يقبلونه كختم للموهبة الإلهية.

وهذا ما يرتله المرتلون أثناء المسحة. إن المسيح يسمي ذاته ممسوحاً لا لأن المسحة قد انسكبت فوق رأسه بل بسبب الروح القدس الذي به صار كنزاً لفعل روحي في الجسد الذي اتخذه. لا يُقال المسيح الممسوح فقط بل مسحة أيضاً، "إن اسمك زيت ينسكب " (شيد الأنشاد 1:3). إنه ممسوح منذ الأزل وصار فيما بعد مسحة لأن كل ملء اللاهوت كما يقول القديس بولس يحلّ فيه جسدياً (كورنثوس:2 9)، ولم يعطه الروح القدس بشح بل أغناه بكل الكنوز الروحية فانسكبت المسحة وانتشرت في كل جسده، فصار يقال للمسيح مسحة حقيقية، وأن تعطى أن تصير مسحة تنسكب تكون للمسيح، ومن أجل أن يقوم بمثل هذا العمل، لم يكن مضطراً أن يغير مكاناً، أو أن يهدم حاجزاً بعد أن حقق ما يفصلنا عنه، ولم يترك فاصلاً بينن ا وبينه. إن الله لم يكن بعيداً عنا بالمسافة، ما

دام الله يحتل كل مكان، بل كان بعيداً عنا بالش به. إن طبيعتنا باختلافها معه في كل شيء ابتعدت عنه.لم يكن بينها وبينه أي شيء مشترك. كان إلهاً وما كانت طبيعتنا إلا بشرية.وعندما تأله الجسد، واتحدت الطبيعة البشرية أقنومياً بالله الذي كماله يحدد المسافات، صار مسحة، ولم يعد لعدم الشبه من وجود، والشخص ذاته ال ذي كان إلهاً من ناحية، ومتجسداً من ناحية أخرى، هذا الشخص محا المسافات بين الألوهة والبشرة، وصار همزة وصل بين طبيعتين لا يربط جوهرهما البعيد الواحد عن الآخر أي رباط. فكما أنّ الأريج الذي يملأ الوعاء يصبح والوعاء شيئاً واحداً، لا يمكن أن يعزل عن محيطة الخارجي لأنه غير محصور ما دام قد احتل الوعاء وصار الوعاء قسماً منه، يشترك بالأريج كذلك طبيعتنا التي تألهت بجسد المخلص، لا شيء يفصل الله عن الجنس البشري، لا شيء يتعارض

مع اشتراكنا في النعم ما عدا الخطيئة. الله هدم الحائط المزدوج، أي طبيعتنا، بتجسده وإرادتنا الملتوية بالشر، بقبوله للصليب الذي حرر من الخطيئة. لهذا السبب نعمد إلى الختم بعد المعمودية الحاوية والمالكة لفاعلية صلب المخلص وموته. فهو موهبة الروح القدس ولم يبقى بعد تنحية الحاجزين وأبعادهما ما يعيق انتشار الروح القدس.