الأحد الأول من الصوم (الأرثوذكسيّة) 16 - 03 - 2008
الرسالة
بروكيمنن: مباركٌ أنتَ يا ربُّ إِلَهَ آبائِنا.
ستيخن: لأنَّكَ عدلٌ في كلِّ ما صنَعْتَ بِنا.
فـصل من رسالة القديس بولس الـرسول إلى العبـرانيين (24:11-40)
يا إخوةُ بالإيمانِ موسى لمَّا كَبُرَ أَبى أَن يُدعَى ابناً لابنةِ فِرعَون، مُختاراً الشَّقاء معَ شَعبِ اللّه على التَّمتُّع الوقتيّ بالخَطيئَة، ومُعتَبِراً عارَ المسيحِ غِنىً أَعظَمَ مِن كُنوزِ مِصر. لأَنهُ نَظَرَ إلى الثواب. وماذا أقولُ أيضاً، إِنَّهُ يَضِيقُ بي الوَقتُ إِن أَخبرتُ عن جِدعونَ وباراقَ وشَمشونَ ويَفتاحَ وداودَ وصموئيلَ والأنبياءِ، الذينَ بالإِيمانِ قَهَروا المَمَالِكَ وعَمِلُوا البِـرَّ ونالوا المَواعِدَ وسَـدُّوا أفـواهَ الأسـود، وأَطفــــأُوا حِدَّةَ النارِ ونَجَوا مِن حَدِّ السَّيفِ وتَقَوَّوْا مِن ضُعفٍ وصَاروا أَشِداَّءَ في الحَربِ وكَسَروا معسَكراتِ الأَجانب، وأَخذَت نِساءُ أمواتَهنَّ بِالقيامَةِ وعُذّبَ آخرونَ بتَوتيرِ الأعضاءِ والضربِ ولم يَقبَلوا بالنجاةِ ليَحصَلوا على قِيامَةٍ أفضلَ، وآخرونَ ذاقُوا الهُزءَ والجَلْدَ والقُيودَ أيضاً والسِجن ورُجِموا ونُشِروا وامتُحِنوا وماتُوا بِحَدِّ السيف. وساحُوا في جُلودِ غنَمٍ ومَعِزٍ وهم مُعوَزون مُضَايَقون مَجهودون. ولم يكن العالَمُ مستحقاً لهم، وكانوا تائِهين في البرَاري والجِبالِ والمغاوِرِ وكُهوفِ الأرض. فهؤُلاءِ كلُّهم مَشهوداً لهم بالإيمانِ لم ينالوا الموعِدَ، لأَنَّ اللّه سبقَ فنظَرَ لنا شيئاً أفضَلَ أَن لا يَكمُلوا بدونِنا.
الانجيل
فصـل شريف من بشـارة القديس يوحنا الانجيلي (44:1-52)
في ذلكَ الزّمانِ أرادَ يسوعَ الخروجَ إلى الجّليلِ فوجَدَ فيلِبُّسَ فقالَ لهُ: اتبعني ! وكانَ فيلِبُّسُ مِن بيتِ صيدا مِن مدينةِ أندراوسَ وبطرسَ، فوجدَ فيلِبُّسُ نَثنائيلَ فقالَ لَهُ: “ إنَّ الذي كَتَبَ عنهُ موسى في الناموسِ والأنبياءِ قد وجَدْناهُ وهو يسوعُ بــنُ يوسفَ الذي مــن النّاصِرَة ”. فقال لــهُ نَثنائيلُ: “ أَمِنَ الناصرة يُمْكِنُ أنْ يكونَ شيءٌ صالحٌ ؟ ” فقالَ لَهُ فيلِبُّسُ: “ تعالَ وانظُرْ ”. فرأَى يسوعُ نَثنائيلَ مُقبِلاً إليهِ فقالَ عنهُ: “ هوذا إسرائيليٌّ حقاًّ لا غِشَّ فيهِ.”. فقالَ لَهُ نَثنائيلُ: “ مِن أين تَعرِفُني ؟ ” أجابَ يسوعُ وقالَ لَهُ: “ قَبلَ أنْ يَدعُوكَ فيلِبُّسُ وأنتَ تحتَ التّينَةِ رأَيتُكَ ”، أجابَ نَثنائيلُ وقالَ لَـهُ: “ يا مُعلِّمُ أنتَ ابنُ اللّه أنتَ مَلِكُ إسرائيل ”، أجابَ يسوعُ وقالَ لهُ: “ لأنّي قلتُ لك إنّي رأَيتُكَ تحتَ التّينَةِ آمَنْتَ ؟ إِنَّك ستُعاينُ أعظَمَ مِن هذا ! ” وقالَ لهُ: “ الحقَّ الحقَّ أقولُ لكُم إنَّكم مِنَ الآنَ تَرَونَ السّماءَ مفتوحةً وملائكةُ اللّهِ يَصعَدونَ ويَنزِلونَ على ابنِ البَشَرِ”.
العقيدة المسيحية
ب - تتجلّى بالمشاركة:
المسيح إذ أحبنا شاركنا حياتنا وآلامنا وموتنا... ومحبتنا نحن أيضًا يجب أن تتحلّى بالمشاركة...قد يكون فى الشفقة ترفّع عن الغير، ولذا فقد تجرح الناس وتضيف إلى آلامهم ألما جديدًا ومرارة...لذلك أوصى الكتاب: [فَرَحاً مَعَ اَلْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ اَلْبَاكِينَ] [رومية 12: 15]... وأيضًا: [اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً فِي الْجَسَدِ] [عبرانيين 13: 3]... وقد عاش الرسول بولس المحبّة إلى حدّ المشاركة الصميمة فى المآسى التى أحسّها: [مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟] [2 كورونثوس 11: 29]...
ولكن هذه المشاركة لا قيمة لها إن لم تتعدّ صعيد العاطفة... فقد نريح ضميرنا بشكل رخيص مكتفين بأن "نشعر" مع الناس... ولكن مشاعرنا لا تهم الله كثيرًا... أن ما يهمه إرادتنا... المسيح لن يتلهَّ بتعابير غنائية عن المحبة وإنما عاشها فى عرق وجهاد وفى النهاية بتسلم ذاته للموت... لذ، فليس المهم أن "أحسّ" نحو الناس بانعطاف، إنما المهم أن أوجّه إرادتى بالفعل نحو خدمتهم...
هذا ما علّمنا إيّاه الرسول يوحنا بقوله: [أَيُّهَا الأَوْلاَدُ الصِّغَارُ، لاَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَحَبَّتُنَا مُجَرَّدَ ادِّعَاءٍ بِالْكَلاَمِ وَاللِّسَانِ، بَلْ تَكُونَ مَحَبَّةً عَمَلِيَّةً حَقَّةً] [1 يوحنا 3: 18]...
لقد كان الله هو البادئ بالمحبّة، إذ أن الإله المتجسّد بذل نفسه عنّا بغض النظر عن عدائنا له، عن رفضنا إيّاه...لقد أحبنا مجانا، دون قيد وشرط، لا لسبب آخر سوى حبّه المجانى... هذا ما حدّثنا عنه الرسول بولس بقوله:[لأَنَّ الْمَسِيحَ إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ. فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارٍّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضاً أَنْ يَمُوتَ. وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ اَلْمَسِيحُ لأَجْلِنَا.] [رومية 5: 6 - 8]... وبالمعنى نفسه كتب الرسول يوحنّا: [وَفِي هَذَا نَرَى الْمَحَبَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ، لاَ مَحَبَّتَنَا نَحْنُ لِلهِ، بَلْ مَحَبَّتَهُ هُوَ لَنَا. فَبِدَافِعِ مَحَبَّتِهِ، أَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا] [1 يوحنا 4: 10]... هكذا يجب أن تكون محبتنا للناس مجانية كمحبة يسوع لنا...
يجب أن نحبهم مهما كانت صفاتهم، مهما كان إنسجامهم و عدم إنسجامهم معنا، مهما كانت علاقاتهم بنا وتصرّفاتهم نحونا: [وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ اَلْخُطَاةَ أَيْضاً يُحِبُّونَ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ. وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى اَلَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ اَلْخُطَاةَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا. وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ اَلَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ اَلْخُطَاةَ أَيْضاً يُقْرِضُونَ اَلْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ اَلْمِثْلَ. بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئاً فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيماً وَتَكُونُوا بَنِي اَلْعَلِيِّ فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ اَلشَّاكِرِينَ وَاَلأَشْرَارِ] [لوقا 6: 32 - 35]... المسيحى هو دوما البادئ بالمحبة كما ان المسيح هو المبادر بالحب نحونا... قد كنّا غرباء عنه، ضائعين فى متاهات عبادة الذات، ولكنه أتى إلينا - ولا يزال يأتى - فجعلنا قريبين إذ غمرنا بحبّه المبذول...
هكذا علّمنا من هو القريب... لقد كان اليهود يعتقدون أن القريب، الذى تتوجّب عليهم محبّته، هو من كان يشاركهم فى الجنس والدين.. وذات يوم سأل أحد معلّمى الناموس يسوع قائلاً: من هو قريبى؟... فلم يجبه مباشرة بلّ روى له مثل السامرى الصالح: [إِنْسَانٌ كَانَ نَازِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا فَوَقَعَ بَيْنَ لُصُوصٍ فَعَرَّوْهُ وَجَرَّحُوهُ وَمَضَوْا وَتَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْتٍ. فَعَرَضَ أَنَّ كَاهِناً نَزَلَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ فَرَآهُ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. وَكَذَلِكَ لاَوِيٌّ أَيْضاً إِذْ صَارَ عِنْدَ الْمَكَانِ جَاءَ وَنَظَرَ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. وَلَكِنَّ سَامِرِيّاً مُسَافِراً جَاءَ إِلَيْهِ وَلَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتاً وَخَمْراً وَأَرْكَبَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَأَتَى بِهِ إِلَى فُنْدُقٍ وَاعْتَنَى بِهِ. وَفِي الْغَدِ لَمَّا مَضَى أَخْرَجَ دِينَارَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا لِصَاحِبِ الْفُنْدُقِ وَقَالَ لَهُ: اعْتَنِ بِهِ وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ أَكْثَرَ فَعِنْدَ رُجُوعِي أُوفِيكَ. فَأَيُّ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيباً لِلَّذِي وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟ فَقَالَ: الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضاً وَاصْنَعْ هَكَذَا] [لوقا 10: 25 - 37]... هنا فجّر يسوع وصية المحبة التى كانت فى العهد القديم، إذ أعطانا أبعادًا شاسعة وجعلها تتخطى كلّ الحدود... علمنا أن القريب ليس من هو قريبى، أى من تربطنى به روابط اللحم والدم، روابط العاطفة والمصلحة، روابط الرأى الواحد، والمجتمع الواحد... إنّما قريبى هو من أصير أنا قريبًا منه بمحبتى له...
القريب هو من أقترب أنا منه بالمحبّة... إننى أصبح قريبا لكل إنسان - ويصبح كل إنسان قريبى - إذا أحببته، ولو لم يكن بين هذا الإنسان وبينى أى رابط بشرى... أكثر من ذلك، إذا كان إنسان ما عدوّى، فمحبتى غير المشروطة له تجعله قريبا، كما أن المسيح صار قريبًا لى، وقد كنت عدوّه، إذ بذل نفسه عنّى..
الحياة في المسيح
ثمار المناولة الإلهية
أن الزيتونة البريّة إذا طعّمت بطعم صالح تتحوّل وتصبح زيتونة مثمرة وهذا ما يحدث تماماً معنا نحن المسيحيين. عندما نكون وحدنا نبقى بدون ثمر روحي ولكن عندما نرتبط بالمسيح ونتناول جسده ودمه ننال سريعاً عظم الخيرات، غفران الخطايا وملكوت السماوات، أي ثمار التبرير التي يعطيها المسيح. نتناول جسد المسيح الذي يشكل ضمانة لتحقيق الغلبات الروحية والفتوحات السامية.
من الواضح أن حياتنا بعد المناولة الإلهية يجب أن تصير مسيحية النوع، أي على شكل المسيح. "أنتم جسد المسيح وأعضاءٌ من أعضائه" (1كور 12: 27). أن كلمات الرسول تنطبق بالأكثر على أرواحنا وتنطبق على جسدنا، ويشير الرسول بولس عندما يقول: "الملتصق بالرب هو بالروح" (1كور 16: 17) إلى الرباط الذي يربط نفسنا بالمسيح.
ويشدد كثيراً على هذا الرباط. لذلك لم يأخذ المسيح جسداً فحسب بل روحاً وعقلاً وإرادة وكل ما هو بشري ما عدا الخطيئة حتى يتحدد كلياً مع وجودنا ويربط كل ما لنا بماله. مع الخطأة فقط لا يتحد المسيح لأنه خلو من كل خطيئة ولا علاقة له بها لأنه بريء من الخطأ. لقد قبل السيد كإله رحيم كل عناصر حياتنا ما عدا الخطيئة وتنازل ليتحد بنا بتنازله الذي لا يحد. فالمسيح الإله الحقيقي نزل إلى الأرض ليرفعنا إلى السماء.