أحد مرفع اللحم (الدينونة) 2 - 03 - 2008
الرسالة
بروكيمنن: قُوَّتي وتسبِحتي الربُّ.
ستيخن: أدباً أدَّبَني الربُّ.
فصل مــن رسالة القديس بــولس الرسـول الأولى إلى أهل كورنثس (8:8-2:9)
يا إِخوةُ إِنَّ الطعامَ لا يُقَرِبّنَا إلى اللّه. لأنَّا إنْ أكَلْنا لا نَزيدُ وإِنْ لَم نَأكُلْ لا نَنْقُص، ولكن انظُروا أَنْ لا يكونَ سلطانُكم هذا مَعثَرَةً للضُّعفاءِ، لأنَّه إنْ رآكَ أحدٌ يا مَنْ لهُ العِلْمَ متَّكِئاً في بيتِ الأوثانِ أَفلا يَتقوَّى ضميرُهُ وهو ضعيفٌ على أكْلِ ذبائحِ الأوثان، فَيَهلِكَ بسبَبِ عِلْمِكَ الأَخُ الضعيفُ الذي ماتَ المسيحُ لأجلِه ؟ وهكذا إِذْ تُخطِئون إلى الإِخوةِ وتَجرَحُون ضَمائِرَهم وهي ضعيفةٌ إنِّما تُخطئون إلى المسيح.فلذلك إِنْ كان الطعامُ يُشَكِّكُ أخي فَــلا آكُلُ لحماً إلى الأبد لئَلاَّ أُشكِّكُ أخي. أَلستُ أنا رسولاً ؟ أَلستُ أنا حُرّاً ؟ أَمَا رأيتُ يسوعَ المسيح ربَّنا ؟ أَلستُم أَنتم عملي في الربّ ؟ وإِنْ لم أكُنْ رسولاً إلى آخَرينَ فإني رسولٌ إليكم، لأنَّ خاتَمَ رسالتي هو أنتُم في الربّ.
الانجيل
فصل من بـشــــارة القديـس متى الإنجيلي (31:25 - 46)
قال الربُّ: “ متَى جاءَ ابنُ البشر في مَجدِهِ وجميعَ الملائكة القديسين معهُ فحينئذٍ يَجلِسُ على عرشِ مَجدِهِ، وتُجْمَعُ إليهِ كلُّ الأُمم فَيُميِّزُ بعضَهم مِن بعضٍ كما يُميِّزُ الراعي الخِرافَ مِنَ الجداءِ. ويُقيمُ الخرافَ عن يمينهِ والجِداءَ عن يسارهِ، حينئذٍ يقول المَلكُ للذين عن يمينهِ: ‘تعالَوا يا مُبارِكي أبي رِثوا المُلْكَ المُعَدَّ لكم مُنذ إنشاءِ العالَم، لأني جُعْتُ فأَطعمتموني وعَطِشتُ فَسَقَيتُموني وكنتُ غريباً فآوَيتُموني وعُرياناً فكَسَوْتُموني ومريضاً فَعُدْتُموني ومحبوساً فأَتيتم إلَيَّ ’. حينئذٍ يُجيبُه الصِدّيقون قائلين: ‘ ياربُّ متَى رأَيناكَ جائعاً فأطْعَمناك أو عطشانَ فَسَقيناك ومتَى رأَيناك غريباً فآويناك أو عُرياناً فكَسَوناك، ومتَى رأَيناك مريضاً أو محبوساً فأَتَينا إليك ؟ ’ فيُجيب المَلِك ويقول لهم: ‘ الحقَّ أقول لكم بما أنَّكم فَعَلتم ذلك بأَحَدِ اخوتي هؤُلاءِ الصِّغارِ فَبِي فعلتُموهُ ’. حينئذٍ يقول أيضاً لِلَّذين عن يسارهِ: ‘ اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبديَّة المُعَدَّةِ لإِبليسَ وملائِكَته، لأنّي جُعْتُ فلم تُطعِموني وعطشت فلم تَسْقوني، وكنت غريباً فلم تُؤْوُوني وعُرياناً فلم تَكْسوني ومريضاً ومحبوساً فلم تَزوروني ’. حينئذٍ يُجيبونهُ هم أيضاً قائلين: ‘ ياربُّ متَى رأَيناك جائعاً أو عطشانَ أو غريباً أو عُرياناً أو مريضاَ أو محبوساً ولم نَخْدِمْكَ ؟ ’ حينئذٍ يُجيبهم قائلاً: ‘ الحقَّ أقول لكم، بما أنَّكم لم تفعلوا ذلك بأَحد هؤُلاءِ الصغار فَبِي لم تفعلوهُ. فيذهب هؤُلاء إلى العذابِ الأبدي والصدّيقون إلى الحياة الأبديَّة ’ ”.
العقيدة الارثوذكسية
إننا فى وضعنا الساقط لا نستطيع بالطبع أن نقدّم ذواتنا بالكلية، ولكن المطلوب منا أن نجتهد فى هذا السبيل... أن ننوى بصدق السير فى طريق نكران الذات وراء المعلم... تلك هى التوبة فى الأساس... إنها سير فى طريق إسلام الذات لله... وهذا السير يدوم الحياة كلها لأن عطاءنا يبقى ناقصا ما حيينا... لذا فالكنيسة ليست كنيسة الصديقين بلّ كنيسة التائبين أى العائدين من عبادة ذواتهم إلى عبادة ربهم... ولنا فى هذا السير دافعان يشددان عزمنا:
لقد تجلّت محبة المسيح لنا بشكل باهر فى بذله ذاته من أجلنا... وقد قال هو عن نفسه:[لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ] [يوحنا 15: 13]... وأيضا: [أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي، كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ اَلْخِرَافِ] [يوحنا 10: 14، 15]...
هذا الحب المبذول يثير حبنا ويدفعنا إلى أن نحيا فيما بعد لا لذواتنا بل للذى مات عنّا حبًا... بهذا المعنى كتب بولس الرسول: [لأَنَّ مَحَبَّةَ اَلْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هَذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ اَلْجَمِيعِ. فَالْجَمِيعُ إِذاً مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ اَلْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ اَلأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَام] [2 كورونثوس 5: 14، 15]... وفى مكان آخر كتب: [مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي] [غلاطية 2: 20]... أى أننى أسلّم ذاتى (هذا هو المعنى العميق للإيمان) لذلك الذى أسلَم ذاته لأجلى... هكذا فالحب الذى تثيره فينا محبة المسيح المبذولة لنا حتى الموت يساعدنا على التغلّب على الخوف من الموت، ذلك الخوف الذى يحول دون تقدمة ذواتنا... هذا ما تنشده الكنيسة عن الشهداء: {لأن المحبة قد غلبت الطبيعة (أى مخافة الموت المتأصلة فى طبيعتنا) وجعلت العاشق أن يتّحد بواسطة الموت بالمعشوق} (خدمة عيد القديس جورجيوس)...
2 ثقتنا بانتصار المسيح على الموت:
ومن جهة أخرى فإن حدّة الخوف من الموت تخف فينا لمعرفتنا أن المسيح قهره بمروره فيه... فيما كان يتحدّث عن قيامة السيد، هتف الرسول بولس بلهجة الانتصار: [أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ] [1 كورونثوس 15: 55]... ونحن إذا شئنا التخلّى عن أنانيتنا ومررنا من جراء ذلك فى خبرة الموت يهدأ جزعنا لعلمنا أننا لسنا نجتاز هذه الخبرة وحدنا، بل بمعيّة ذاك الذى إجتاز الموت قبلنا وقهره: [أَيْضاً إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ اَلْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرّاً لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي] [مزمور 23: 4]...
الحياة في المسيح
السر العظيم
نتقدم من المائدة السرية لنصير شركاء في جسد السيد الطاهر ودمه الكريم. يستقي المسيحي من المناولة الإلهية الحياة الروحية بقوتها العظيمة. لا يستطيع الإنسان أن يتصور سعادة أسمى من سعادة الاشتراك في هذا السرّ العظيم. فالمقصود هنا ليست الحياة الفضلى فقط بل ما هو أسمى. بالمناولة المقدسة لا نأخذ بعض الهدايا من الروح القدس بل السيد الناهض، المحسن الكبير، الهيكل الحاوي لكل النعم والمواهب الإلهية. لا شك أن المسيح موجود في كل أسرار كنيستنا. أنه حاضر في الذين يشتركون فيها ويعطي النعم بطرق مختلفة ولكنه عندما يقود المؤمن إلى سر الشكر الإلهي ويعطي جسده طعاماً روحياً ودمه فإنه يحول الإنسان. يبقى الإنسان حتى المناولة طيناً ولكنه بعد المناولة لا يبقى كما كان طيناً. يأخذ شكلاً ملوكياً، يصبح جسد المسيح الملك. أية سعادة أعظم من ذلك؟
إن المسيح، وفقاً للوعد الذي قطعه، يسكن فينا ونحن فيه بالمناولة المقدسة: "من أكل جسدي وشرب دمي يبقى فيّ وأنا فيه" (يوحنا 6:56). وعندما يسكن المسيح فينا على الدوام، عندما يسكن في قلوبنا فماذا نحتاج بعد؟ أيمكن أن نحرم من أية خيرات حقيقية؟ إن المسيح مسكن لنا وساكن. أننا سعداء لأن لنا بيتاً كهذا. إننا سعداء أيضاً لأن المسيح جعل بيته فينا. أية خيرات ليست في متناول يدنا؟ أية خيرات روحية تنقصنا إذا كنا مرتبطين بهذا الرباط مع السيد؟ عندما نصل إلى هذا البهاء الروحي أيمكننا أن نهتم ببطل العالم وفساده؟ أي شرير، أي ماكرٍ يمكنه أن يقف في وجه غنى الخيرات الروحية؟ إذا كان المسيح فينا فلن يدخل شر واحدٌ إلى قلوبنا، إذا كان يملأ قلوبنا بحضوره ويسكن في أعماق نفوسنا ويدخل إليها ويسود ويحوّطنا من كل جانب انه يطرد من داخلنا كل اندفاع مجرم لأنه ساكن فينا إنه يريد أن يملأ بذاته كل البيت، يريد أن يملأ قلوبنا. ففينا لا يسكن قسم من المسيح بل المسيح كله، ولا أنوار قليلة وأشعة روحية معينة بل الشمس الروحية كلها. إننا نصبح مع المسيح روحاً واحداً وبالمسيح يصبح الجسد والروح والقوى كلها روحية. أن القوى الإلهية السامية تسود على القوى البشرية الوضيعة. يحدث ما يقوله الرسول بولس عن القيامة: "لكي يداس الموت بالحياة" (2كور 5: 4) أو "أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غلاطية: 2 20).
يا للسر العظيم الذي لا يدرك غوره! نتحد مع المسيح اتحاداً يصبح فيه عقل المسيح عقلنا، وإرادته إرادتنا، وجسده جسدنا، ودمه دمنا. كم يرتفع عقلنا في الواقع عندما يسوده عقل المسيح وكم ترتفع إرادتنا إذا خضعت لإرادته المغبوطة؟ إن جسدنا كم يتنقى وهو الطين عندما يوجد وسط شعلة
المسيح! أيمكن أن نحقق مثل هذا الارتباط مع المسيح؟ إن الرسل بولس يجيب على ذلك لأنه تمكن أن يجعل من عقله عقل المسيح ومن إرادته إرادة له ومن حياته "لنا نحن فكر المسيح" (1 كور 2: 16)، "ومن المسيح المتكّلم فيّ اطلبوا برهاناً، (2كور 13: 3)، "وأني لاعتقد بأني أملك روح الله" (1كور 7: 40)، "واشتاق أن يكون المسيح في أحشائكم جميعاً " (فيلبي 1: 8)
يستدل من كل ذلك أن الرسول بولس كانت له إرادة المسيح ويعلن هذه الحقيقية إعلاناً صارخاً عندما يكتب ويقول: "لا أحياء أنا بل المسيح يحيا فيّ". يا لعظمة سر الشكر المقدس! أنه يقود الإنسان إلى قمة الخيرات ويشكل الكلمة الأخيرة للارتفاع البشري لأن الله يتحد بنا بواسطة هذا السرّ اتحاداً كلياً ونهائياً.