الأحد الثاني من الصوم (القديس غريغوريوس بالاماس) 23 - 03 - 2008
الرسالة
بروكيمنن: أنت يا ربُّ تحفَظُنا وتستُرُنا.
ستيخن: خلِّصني يا ربُّ فإنَّ البارَّ قد فَنِيَ.
فصل من رسالة القديس بولـس الرسول إلى العـبرانيين (10:1-14،1:2-3)
أنتَ ياربُّ في البَدءِ أَسَّستَ الأرضَ، والسماواتِ هي صُنعُ يدَيْكَ، وهي تزولُ وأنتَ تبقى وكلُّها تَبلَى كالثوبِ، وتَطويها كالرِداء فَتَتغيَّرُ وأنتَ أنتَ وسنوكَ لن تَفنى. وَلِمَن مِنَ الملائِكةِ قالَ قطُّ اجلِسْ عن يميني حتى أجعَلَ أعداءَك مَوطِئاً لقدَمَيْك. أَليسوا جميعُهم أَرواحاً خادِمةً تُرسَلُ للخدمةِ من أجلِ الذينَ سيَرِثونَ الخلاص؟ فَلذلكَ يجبُ علينا أن نُصغيَ إلى ما سمِعناهُ إِصغاءً أشدَّ لئَلاَّ يَسرَبَ من أذهانِنا، فَإِنَّها إِنْ كــانَتِ الكَلِمَـــةُ التي نُطِـــــقَ بهـا على أَلسِنَةِ ملائِكةٍ قد ثَبَتَتْ وكلُّ تَعَدٍّ ومَعْصِيَةٍ نالَ جَزاءً عَدلاً، فكيفَ نُفلِتُ نحنُ إِن أَهمَلْنا خَلاصاً عظيماً كهذا قد ابتدأَ النُّطقُ بهِ على لِسانِ الربِّ ثم ثبتَهُ لنا الذينَ سَمِعوهُ؟.
الانجيل
فصل شريف من بشــارة القديس مرقس الانجيلي (1:2-12)
في ذلك الزمان دخل يسوعُ كَفَرَناحومَ وسُمِعَ أنَّهُ في بيتٍ فلِلْوَقت اجتَمعَ كثيرون حتى إِنَّهُ لم يَعُدْ مَوضِعٌ ولا ما حَولَ الباب يَسَعُ، وكان يخاطبهم بالكلمة. فأَتَوا إليهِ بِمُخلَّعٍ يحمِلُهُ أربعةٌ، وإذْ لم يَقدروا أنْ يَقتَربوا إليهِ لسَبَبِ الجَمْع كشفوا السقفَ حيث كان. وبعدما نَقَبوهُ دلَّوا السريرَ الذي كان المخلَّعُ مضجعاً عليهِ، فلَمَّا رأَى يسوعُ إيمانَهم قال للمُخلَّعِ: “يا بُنيَّ مغفورةٌ لكَ خطاياك”.وكان قومٌ مِنَ الكتبةِ جالسين هناك يفكّرون في قلوبِهِمْ: “ ما بالُ هذا يتكلَّم هكذا بالتجديف. مَن يَقدِر أنْ يَغفِرَ الخطايا إلاَّ اللّه وَحْدَهُ؟ ” فللوقت عَلِمَ يسوعُ بروحهِ أنَّهم يُفكِّرون هكذا في أنفسِهم فقال لهم: “ لماذا تفكِّرون بهذا في قلوبكم؟ ما الأَيسرُ أنْ يُقالَ مغفورةٌ لك خطاياك أمْ أنْ يُقالَ قُمْ واحمِلْ سريرَك وامشِ؟ ولكنْ لكي تَعلَموا أنَّ ابنَ البشر لهُ سُلطانٌ على الأرض أنْ يغفِر الخطايا (قال للمخلَّع): “ لكَ أقول قُمْ واحمِلْ سريرَك واذهب إلى بيتك ”، فقام للوقت وحَمَلَ سريرَهُ وخرج أمام الجميع حتى دَهِشَ كلُّهم ومجَّدوا اللّه قائلين: “ ما رأَينا مثلَ هذا قطُّ!”.
العقيدة الأرثوذكسية
ه - موجهة بصورة خاصة إلى المتألمين:
تلك المحبّة للقريب يجب أن تشمل بنوع خاص البشر المتألمين، الذين هم بحاجة خاصة إليها... إن كنّا نحب المسيح فلنا أن نرى فى كلّ معذبى الأرض وجهه الدامى المكلّل بالشوك وجسده الممزّق وكرامته المداسة من الناس ونفسه الحزينة حتى الموت... ذلك أن الرب نفسه جعل تلك المطابقة بين المتألمين وبينه، فأقام وحدة بينه وبين الجائعين والعطاش والعراة والغرباء والمرضى والمسجونين: [لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ] [متى 25: 35، 36]... هذا ما سوف يقوله الرب للأبرار فى اليوم الأخير، مضيفا: [ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ] [متى 25: 40]... والصغار هؤلاء هم البؤساء والضعفاء الذين هم بنوع خاص أخوة يسوع إذ لم يشارك الرب البشر أمجادهم وغناهم بلّ إرتضى أن يشاركهم بؤسهم وفقرهم... المألمون إمتداد للمسيح المتألم... ولذلك كان أحد الآباء الروحيين يقول:{إن شئتم أن تلمسوا اليوم جراح المسيح كما لمسها توما، فما عليكم إلا أن تحتكّوا بإنسان بائس}... لذ، فموقفنا من البائسين لا يمكن أن يكون بحال من الأحوال موقف الترفع والتفضل، إنما هو موقف إحترام عميق لهؤلاء الذين، وإن لم يدروا، وإن جدّفوا، هم فى بشاعة بؤسهم صورة لذاك الذى إرتضى أن يصبح: [نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيهِ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ اَلنَّاسِ رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ اَلْحُزْنِ وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ] [أشعياء 53: 2، 3]... يُروى عن القديس يوحنا الذى كان بطريركا للإسكندرية أوئل القرن السابع ودُعى " يوحنا الرحوم"، أنه عندما استلم مسئوليته البطريركية طلب من أعوانه أن يضعوا له لائحة بأسماء " سادته"... وعندما سألوه مستغربين من عسى يكون هؤلاء السادة؟... أجابهم بأنهم فقراء الإسكندرية... هذا هو الموقف المسيحى الأصيل... ولكن محبّة البؤساء والمحرومين لا يمكن أن تتخذ طابع العمل الفردى وحسب، لأنها عندئذ تكون ناقصة...
محبتنا المسيحية للبائسين تدعونا لرفض كلّ ما يكرّس يؤسهم وحرمانهم فى الأنظمة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية... تلك المحبة تدعونا للنضال من اجل إقامة مجتمع يؤمن لمعذّبى الأرض العدالة وشروط حياة كريمة... هذا ما فهمه عدد متكاثر من المسحيين فى عصرنا الذين فى كلّ أقطار المعمورة يناضلون من أجل العدالة وكرامة الإنسان، مدفوعين لا بإعتبارات إنسانية وحسب بل بقناعتهم بأن كل ظلم يلحق بالإنسان إنما هو طعنة للمسيح فى الصميم... كل ما لم تفعلوه بأحد إخوتى هؤلاء الصغار فبى لم تفعلوا... أمام الدماء النازفة من جراح محرومى الدنيا، لا يسع المسيحيين إلا أن يتذكّروا عبارة باسكال الشهيرة: {المسيح فى نزاع إلى منتهى الدهر، فكيف يسعنا أن ننام؟}...
* من قيامة المسيح نستمد المقدرة على محبة القريب:
ولكن محبة القريب، كما حددناها، تلك المحبة غير المشروطة التى تتجه إلى الآخر من أجل ذاته وتبذل ذاتها من أجله، تلك المحبة لا تنسجم مع متطلبات " الإنسان العتيق" فينا، ذلك اِلإنسان الساقط، أسير الأنا، الذى يَعْتبر ذاته مركزًا للكون ولا ينظر إلى الآخر إلا كوسيلة لإشباع شهوته و حاجز دون بلوغ مأربه...
المحبة المسيحية تفرض أن نتخلّق بأخلاق الله وهذا لا يتم لنا إلا باشتراكنا بقيامة المسيح التى بها نصبح مساهمين فى حياة الله وبالتالى فى أخلاق الله... المحبة المسيحية ثمرة القيامة التى نشترك بها كما رأينا بالتوبة وبالأسرار... " الإنسان العتيق"، وهو فى كل منا كامن ما حيينا، لا قدرة له على المحبة المسيحية لأنه بعيد عن الله، فى تفكك وموت... الحياة الإلهية إذا تدفقت فى كياننا تكوّن فينا إنسانا جديدًا، مستعيدًا صورة خالقه، وتجعلنا بالتالى قادرين على محبة القريب... لذ، كتب الرسول يوحنا إلى المسيحيين قائلاً لهم أن المحبة التى تجمع بينهم هى برهان خروجهم من الموت إلى الحياة، أى برهان مساهمتهم فى قيامة المسيح: [إِنَّ مَحَبَّتَنَا لإِخْوَتِنَا تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّنَا انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ. فَالَّذِي لاَ يُحِبُّ إِخْوَتَهُ، فَهُوَ بَاقٍ فِي الْمَوْتِ] [1 يوحنا 3: 14]... وقد كتب الرسول نفسه أيضًا: [أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً: لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَصْدُرُ مِنَ اللهِ. إِذَنْ، كُلُّ مَنْ يُحِبُّ، يَكُونُ مَوْلُوداً مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ (بالمعنى الكتابى: أى متحد بالله). أَمَّا مَنْ لاَ يُحِبُّ، فَهُوَ لَمْ يَتَعَرَّفْ بِاللهِ قَطُّ لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ!] [1 يوحنا 4: 7، 8]...
الحياة في المسح
صار إنساناً ليرفع الإنسان إلى الله وبقي كإنسان خلواً من كل خطيئة وصار الغالب الأزلي، وأعتق الطبيعة البشرية من الخطيئة والعار، وكمخلص أعتق الإنسان من جريرة الخطايا وصالحه مع الله. لم يكن بإمكاننا أن نصعد إلى السماء وأن ننال هذه المواهب الكبرى ولذلك نزل المخلص إلى الأرض فأخذ ما لنا وأعطانا ما لا ثمن له من خاصته. أعطانا جسده ودمه. وبهذه الطريقة نستقبل الله ونقبله في نفوسنا.
من الواضح أن المسيح يدخل ذاته إلى داخلنا بالمناولة المقدسة ويتحد معنا ويحوّل وجودنا وفقاً لحياته الخاصة. إذا سقطت قطرة من الماء في محيط من العبير فالقطرة تندمج في المحيط وتتحد به وتأخذ كل خواصه وتتحول إلى عبير كالمحيط الذي سقطت فيه. فالمسيح هو الأريج الروحي وله كل القوة ليحول المؤمنين الذين يدخلهم بواسطة المناولة المقدسة إلى أناس ليست حياتهم معطرة فحسب بل إلى أناس يحملون كل عطر المسيح" نحن عطر المسيح الطيب لله ولأولئك نفخة حياة للحياة" (2 كور.(15:2
أن سرّ الشكر يعطي القوة والنعمة إلى نفوس المؤمنين الذين يتناولون بقلوب نقية ويبقون بعيدين عن الخطيئة. ويتحد المسيح بالذين يستعدون قبل المناولة روحاً بطريقة لا تستطيع قوة مهما كانت أن تفصم عروتها. "أن هذا السر لعظيم جداً وأنا أقول هذا بالنسبة للمسيح والكنيسة، (أفسس 5 (32: يقول الرسول بولس عن الوحدةالروحية بين المسيح والمسيحيين الذين هم أعضاء حقيقيون في الكنيسة. سر الشكر نور للذين يملكون قلوباً نقية ونفحة تعطي التقديس وقوة تشدد إرادة أولئك الذين يحتاجون إلى التقديس. لا يوجد غير هذا النبع أمام أولئك الذين يصارعون ويكافحون ضد الخطيئة ليستقوا القوة المقدسة "دم المسيح ابن الله لينقيكم من كل خطيئة " يقول يوحنا الإنجيلي (1يو 1: (7 الذي تمتع بمحبة يسوع الخاصة. المسيح هو الوحيد الذي غلب الشر لذلك يشكل جسده الطاهر الذي مات على الصليب راية غلبة ضد الشر وعوناً قوياً للمجاهدين ضد الأهواء الخاطئة.