الأحد الثالث من الصوم (السجود للصليب الكريم)        30 - 03 - 2008 

 

الرسالة

بروكيمنن: خلِّص يا ربُّ شعبَك وبارِك ميراثَك.

ستيخن: إليكَ يا رَبُّ أصْرُخُ إلهي.

فصل من رسالة القديس بولس الرسول إلى العـبرانييـن (14:4-16، 1:5-6)

يا إِخوةُ إذ لنا رئيسُ كهنةٍ عَظِيمٌ قد اجتازَ السماواتِ يسوعُ ابنُ اللّه فَلنَتَمسَّكْ بِالاعتِراف، لأَنَّ ليسَ لنا رئيسَ كهنةٍ غيرَ قادِرٍ أن يَرِثي لأَوهانِنا بل مُجَرَّبٌ في كلِّ شيءٍ مثلَنا ما خلا الخطيئَة، فلنُقبِلْ إذَنْ بِثِقةٍ إلى عرشِ النِّعْمَةِ لنَنَالَ رحمةً ونَجِدَ ثِقةً للإِغاثَةِ في أَوانها.  فَإِنَّ كُلَّ رئيسِ كهنةٍ مُتَّخَذٍ مِنَ الناسِ يُقامُ لأجلِ الناس فيما هو للّهِ ليُقَرِّبَ تقادِمَ وذبائحَ عن الخطايا في إِمكانِه أن يُشفِقَ على الــذينَ يجهلـونَ ويَضِلُّون لكونِه هوَ أيضاً متلَبِّساً بالضُّعف.  ولهِذا يجبُ عليهِ أنْ يُقرِّبَ عن الخطايا لأجلِ نفسِه كما يقرِّبَ لأجلِ الشَّعبِ.  وليسَ أحدٌ يأخُذُ لنفسِهِ الكرامَةَ بل مَن دعاهُ اللّه كما دَعا هارون.  كذلكَ المسيحُ لم يُمجِّدْ نفسَهُ ليصيرَ رئيسَ كهنةٍ بَل الذي قالَ لهُ: “ أنتَ ابني وأنا اليومَ ولدتُك ”.  كما يقولُ في موضعٍ آخَرَ: “ أنتَ كاهِنٌ إلى الأبَدِ على رُتبَةِ مَلكيصادق ”.

 

الانجيل

فصل شريف من بشــارة القديس مرقس الانجيلي (34:8-1:9)

قال الربُّ: “ مَن أراد أن يَتبَعني فليَكْفُرْ بِنفسهِ ويَحمِل صليبَهُ ويتبعني لأنَّ مَن أراد أنْ يُخَلِّصَ نفسَهُ يُهلِكُها ومَن أهلَك نفسَهُ مِن أجلي ومِن أجل الإنجيل يخلِّصُها.  فإنَّهُ ماذا يَنتفِعُ الإنسانُ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّهُ وخَسِرَ نفسَهُ؟ أم ماذا يُعطي الإنسانُ فِداءً عن نفسِهِ؟ لأنَّ مَن يَستَحْيِي بي وبكلامي في هذا الجيلِ الفاسقِ الخاطئ يَستَحيِي بهِ ابنُ البشر مَتَى أتى في مجد أبيهِ مع الملائكةِ القديسين ”.  وقال لهم: “ الحقَّ أقول لكم إِنَّ قَوْماً مِن القائمين هَهُنا لا يَذوقون الموتَ حتَّى يَرَوْا ملكوتَ اللّه قد أتى بقوَّةٍ".

 

العقيدة الأرثوذكسية

لذ، تربط الكنيسة بين القيامة ومحبة الناس فتنشد فى خدمة الفصح:

{اليوم يوم القيامة... فلنقل يا إخوة ونصفح لمبغضينا عن كل شئ فى القيامة}، وكانها تذكّرنا بذلك أن إشتراكنا فى القيامة ينبوع محبتنا للآخرين... ولكن إذا كانت محبة الإخوّة ثمرة إشتراكنا فى القيامة، فمن جهة أخرى، التمرّس عليها والجهاد من أجل إكتسابها هو مظهر أساسى لذلك المجهود، مجهود التوبة، الذى به، كما رأينا، نقبل الإشتراك بصليب الرب فنصبح مشتركين فى قيامته... إن إجهاد تسليم ذواتنا للرب لا ينفصم عن الجهاد فى سبيل محبة القريب: [وَنَحْنُ أَنْفُسُنَا اخْتَبَرْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي خَصَّنَا اللهُ بِهَا، وَوَضَعْنَا ثِقَتَنَا فِيهَا. إِنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي اللهِ، وَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ] [1 يوحنا 4: 16]...

مجمل الكلام أن محبة القريب هى ثمرة القيامة وطريق القيامة فى آن...

 إن الاعتراف بالآخر شخصا مستقلاً عن أهوائنا ومصالحنا، مهما بحد ذاته، بعبارة أخرى، الإعتراف به على أنه آخر وليس مجرّد إمتداد لشخصى، هذا الإعتراف الذى تفرضه المحبة المسيحية، " جحيم" بالفعل ل " الإنسان العتيق" فىّ، إنسان الشهوة، أسير عبادة الذات...

إنه إنسلاخ وموت... ولكن من قبل أن يجتاز هذا الموت يشترك فى صليب المسيح ويبلغ إلى الله من خلال إنفتاحه للآخر فتتحقق " السماء" فى قلبه...

*ملحق:

1 - كان يوحنا ذهبى الفم، بطريرك القسطنطينية (الذى جرّد البطريركية من كل مظاهر الترف وعاش فيها فقيرًا وتوفى سنة 407 فى المنفى لتوبيخه الملوك) يخاطب بجرأة أغنياء عصره، معلنًا إن إهمالهم للمساكين فى سبيل ترفهم هو إهمال للمسيح نفسه، ومن أقواله:

{لقد أعطاكم الله سقفا دون المطر لا لترصّعوه ذهبصا فى حين أن الفقير يموت جوعا. وأعطاكم ملابس لتتستروا لا لتزكشوها بترف فى حين أن المسيح العارى يموت بردًا. أعطاكم منزلاً  لا لتسكنوه وحدكم بل لتستقبلوا فيه الآخرين، والأرض لا لتددوا مواردها على الجوارى والراقصات والممثلين وعازفى المزمار والقيثارة ولكن لتسعفوا الجياع والعطاش...}...

{ماذا ينفع تزيين مائدة المسيح بأوان ذهبية إذا كان هو نفسه سموت جوعا؟. فأشبعه أولاً حينما يكون جائعا. وتنظر فيما بعد فى أمر تجميل مائدته بالنوافل...}...

{فلا تزين الكنائس إن كان ذلك لإهمال أخيك فى الشدّة، هذا الهيكل أكثر جلالاً من ذاك}...

{بينما كلبك متخم، يهلك المسيح جوعا}... إنك تحترم هذا المذبح حينما ينزل إليه جسم المسيح ولكنك تهمل وتبقى غير مبالٍ حينما يفنى ذاك الذى هو جسم المسيح}...

2 - ويقول فرانسوا مورياك - الحائز على جائزة نوبل فى الأدب - فى محاضرة أمام ثلاثة آلاف شخص بمناسبة أسبوع المفكرين الكاثوليك، عنوانها: " الإقتداء بجلادى المسيح":

{أيًا كانت مبرراتنا وأعذارنا، أقول أنه، بعد تسعة عشر قرنًا من المسيحية، لا يظهر المسيح أبدً، لجلادى اليوم، فى المعذّب، لا ينكشف الوجه المقدّس أبدًا فى وجه العربى الذى يهوى عليه مفوض الشرطة بقبضته (وذلك فى نضال المغاربة لنوال استقلالهم عام 1954 وتعذيبهم من الشرطة الفرنسية) ألا تجدون غريبًا أن يفكّروا أبدًا بإلههم المقيد بالعمود والمسلّم إلى الجند، أن لا يسمعوا، من خلال صراخ ضمائرهم وأنينها صوته المعبود يقول: " بى تفعلونه". ذلك الصوت الذى سيدوّى يومًا، ولن يكون عند ذاك متوسل، وسيصرخ بنا كلنا نحن الذى قبلنا وربما لأيدنا هذه الأشياء: " كنت هتذا الشاب المحب لوطنه والمحارب من أجل ملكه، كنت هذا الأخ الذى كنت تريد أن ترغمه على خيانة أخيه...". كيف لا تعطى هذه النعمة أبدًا لأحد هؤلاء الجلادين المعمّدين؟ كيف لا يلقى جنود الفرقة أحيانًا سوط الجلد ليركعوا عند أقدام ذاك الذى يجلدونه؟}...

3 - ويقول " ألبير لحام" فى محاضرة عن " العدالة السياسية فى المسيحية" التى نشرت بمجلة " محاضرات الندوة" بتاريخ 11/12/1966، ص 44

قلب المسيحية هو الإيمان بأن ابن الله إتخذ فى ذاته آلامنا طوعا ليحررنا من الآلام. ليست المسيحية، إذًا، كما يقول البعض، ديانة تدعو إلى الخنوع أمام الألم والظلم... ليست المسيحية ديانة الألم... إنما هى ديانة الفداء...

لا قيمة للألم فى نظرنا إلا إذا اقتُبل، كما اقتبله المسيح، محبة بالله وبالآخرين... المسيحى، إذا أراد أن يسير فى طريق سيده، لا بدّ له أن يكون مستعدًا لإحتمال الألم والموت من أجل تحرير المتألمين والمظلومين والمستعبدين، لا بدّ أن يناضل حتى الدم من أجل العدالة...

هذا ما أوضحه الأستاذ " ألبير لحام" فى محاضرة ألقاها فى الندوة اللبنانية ضمن سلسلة محاضرات " العدالة فى المسيحية والإسلام". وفيما يلى مقطع منها: {فى وسط الجناح المخصص للمسيحية فى متحف الإلحاد فى مدينة لينيجراد يقوم تمثال كبير للسيد المسيح يرزح تحت وطأة صليب ثقيل. هذا التمثال، يقول لك الدليل، هو رمز المسيحية التى تدعو الناس إلى حمل الصليب والرضوخ للظلم والقبول بالألم والإستسلام للطغيان بانتظار حياة الآخرة. هذا التعريف الكاريكاتورى للمسيحية، كم يذكرنى بقول الرسول بولس: [فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ] [1 كورونثوس 1: 18]...

فالصليب ليس عنوان الذل والخمول والإستسلام... بل عنوان المحبة الإلهية الفادية... والتضامن المطلق مع جميع الناس... والمشاركة التامة للرازحين تحت الظلم والطغيان...

والمجازفة الجريئة حتى الموت لتحريرهم جميعا... لأنه، كما تقول الرسالة إلى العبرانيين: [فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ] [عبرانيين 2: 14، 15]...

فإذا كان المسيحى يلتزم قضية العدالة السياسية فى مجتمعه، فلأنه يسير فى خطى ذلك الذى إلتزم بؤسنا وشقاءنا إذ لبس طبيعتنا وخاض معنا، كواحد منا، معركة الموت والحياة، وفتح لنا بصليبه طريق النصر والرجاء وهو القائل: [وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ] [يوحنا 10: 10]...

 

الحياة في المسيح

العبادة الحقيقية:

من الضروري أن نتقدم باستمرار من المائدة الروحية لنتنا ول جسد المسيح ودمه حتى تبقى الحياة الروحية في داخلنا نشيطة. علينا أن نتقدم لا مرة واحدة بل تكراراً ودائماً. علينا أن نتناول الدواء الإلهي ليجلس الخالق في الطين "الإنسان" ويصلح صورته التي فقدت شكلها الحقيقي بسبب الخطيئة.إن يد الطبيب، يد المسيح، يجب أن تكون دائماً فوقنا لأننا متعرضون لخطر الموت بشتى الأنواع "وكنا أمواتاً في الخطايا فعشنا مع المسيح "(افسس 2: 5) ودم المسيح ينقي وجدانكم في أعمال مائتة لتعبدوا الله الحي (عبرانيين14:9) يقول الرسول.

 إن المائدة الروحية السامية تعطينا الحياة الروحية السامية. وسر الشكر المقدس، هذا الجاذب الإلهي الكلي القدرة يجذب أرواحنا إلى فوق. فسر الشكر نقدم العبادة النقية الحقيقية لله. لأنه إذا كانت العبادة النقية هي الخضوع الكامل لله الذي يحرك ويوجه الكل.