أحد مرفع الجبن (أحد الغفران) - للشهداء الأربعين        9  - 03 - 2008 

 

الرسالة

بروكيمنن: أنتَ يا ربُّ تحفَظُنا وتَستُرُنا.

ستيخن:  خلِّصني يا ربُّ فإنَّ البارَّ قد فَني.

فصــل من رسـالـة القديــس بولــس الرســــــول إلـى العـبـــــــــرانيــيـن (1:12-10)

يَا إِخوَةُ، إذْ يُحدِقُ بِنا مثلُ هذهِ السحابَة منَ الشُّهودِ فَلْنُلْقِ عنّا كُلَّ ثقلٍ والخطيئَةَ المُحيطَةَ بسهولةٍ بِنا. ولنُسابِقْ بالصبرِ في الجِهادِ الذي أمامَنا. ناظِرينَ إلى رئيسِ الإيمانِ ومُكمِّلِهِ يسوعَ الذي بدَلَ السرورِ الموضوعِ أمامَهُ تحمَّلَ الصليبَ مُستحِقّاً بالخِزيِ وجلسَ عن يَمينِ عَرشِ اللهِ. فتفكَّروا في الذي صبَرَ على مثلِ هذه المخالفةِ لهُ من الخُطاةِ لئَلاّ تَكِلُّوا وتَخوروا في نفوسِكم. فإنَّكُم لم تُقاوِموا بعدُ حتّى الدَّمِ في مجاهدَتكم الخطيئَة. وقد نَسيتُم التعزيَةَ التي تُخاطِبكُم كالبنينَ قائلةً يا بُنَيَّ لا تحتَقر تأديبَ الربِّ ولا تخُزْ إذا وبَّخَكَ فإنَّ الذي يحبُّهُ الربُّ يؤَدِّبهُ ويجلِدُ كلَّ ابنٍ يتَّخذُهُ. فإن صبَرتُم على التأديبِ فإنَّ اللهَ إنَّما يعامِلُكم كالبنين. وأيُّ ابنٍ لا يؤَدِّبُهُ أبوهُ وإن كنتُم بِمَعزِلٍ عن التأديبِ الذي اشتركَ فيهِ الجميعُ. فأَنتُم إذَنْ نُغولٌ لا بَنونَ. وأيضاً قد كانَ آباءُ أجسادِنا يؤَدِّبونَنا ونحنُ نَهابُهُم فهلاّ نخضَعُ بالأحرى جدّاً لأبي الأرواحِ فنَحيا. فإنَّهُم إنَّما أَدَّبونا لأيامٍ قليلةٍ وعلى هواهم. أمّا هو فلِمَنفَعَتِنا حتّى نشتَرِكَ في قَداسَتِهِ.

 

الانجيل

فصل من بشــــــارة القديس متى الانجيلي (14:6-21)

قالَ الربُّ: “ إِنْ غفَرتُمْ للنّاسِ زلاّتِهِم يغفرُ لكُمْ أبوكُم السّماوي أيضاً. وإِنْ لم تغفِرُوا للنّاسِ زلاّتِهِم فأبوكُم أيضاً لا يغفرُ لكم زلاّتِكُم. ومتى صُمْتُم فلا تكونوا مُعبِسينَ كالمُراءينَ. فإنّهم يُنَكِّرون وُجُوهَهُم لِيَظهَروا للنّاسِ صائِمينَ. الحقَّ أقولُ لكُم إِنَّهُم قد أخَذوا أجْرَهُم. أمّا أنتَ فإذا صُمتَ فادْهَنْ رأسَكَ واغسِلْ وجهَكَ لئلاّ تظهرَ للنّاسِ صائِماً بل لأبيكَ الذي في الخِفْيَة. وأبوكَ الذي يَرى في الخِفيَة يُجازيكَ علانيَةً. لا تَكنُزوا لكُم كنوزاً على الأرضِ حيث يفسدُ السّوسُ والأَكَلَةُ ويَنْقبُ السّارِقون ويسرِقونَ.  لكن اكنزوا لكُم كُنوزاً في السَّماءِ حيثُ لا يفسِدُ سوسٌ ولا آكلةٌ ولا ينقبُ السّارِقونَ ولا يسرِقونَ. لأنَّه حيثُ تكونُ كنوزُكم تكونُ قلوبُكُم ”.

 

العقيدة الأرثوذكسية

* إقتبال الأسرار الإلهية:

هذا ما يجرى خاصة عند إقتبالنا الأسرار الإلهية... فعند إقامة سر الشكر مثلاً، فى القدّاس الإلهى، يأتى المؤمنون إلى الله بتوبتهم (أى بعزمهم على إسلام ذواتهم لله) ولكن هذه التقدمة لا تبلغ إلى الله إلا لكونها تندمج فى التقدمة الكاملة الوحيدة، تقدمة المسيح المصلوب التى يشكّل كل قداس إمتدادًا لها... إستحالة الخبز والخمر (اللذين يمثلان تقدمة البشر) إلى جسد ودم المسيح معناها أن المسيح إتخذ توبة البشر الناقصة ودمجها بتقدمته هو ليوصلها إلى الآب... هكذا يبلغ المؤمنون بالمسيح إلى الله وينالون بتناول القرابين الحياة الإلهية فيصيرون مشاركى القيامة التى تجدّدهم وتؤهلهم لأن يكونوا بدورهم قرابين...

* التوبة المستمرة:

هكذا بالتوبة التى هى عملية تستمر العمر كلّه - لأن طاعتنا لله ناقصة ما حيينا - وبالأسرار، نشترك أكثر فأكثر فينا على حدّ تعبير الرسول، أى نصبح أكر فأكثر مساهمين فى انفتاحه التام للآب وفى تدفّق الحياة الإلهية فيه... وهكذا شيئًا فشيئًا نصبح على حد تعبير الرسول: [كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضاً اِحْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتاً عَنِ اَلْخَطِيَّةِ وَلَكِنْ أَحْيَاءً لِلَّهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا] [رومية 6: 11]...

وشيئًا فشيئًا نستطيع أن نتبنى قول الرسول: [لأَنِّي مُتُّ بِالنَّامُوسِ لِلنَّامُوسِ لأَحْيَا لِلَّهِ. مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي] [غلاطية 2: 19، 20]...

4 - الفداء ومحبة القريب

* محبة الفادى لنا تلهم محبتنا للناس:

محبة الفادى التى تجلّت فى بذله ذاته عنّا هى بمثابة النار التى لا بدّ أن تُلْهب ما حولها... إنها حَرِيّة بأن تُضرم فينا بدورنا نار المحبة... لقد قال الرب بهذا المعنى: [جِئْتُ لأُلْقِيَ نَاراً عَلَى اَلأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اِضْطَرَمَتْ؟] [لوقا 12: 49]... الحب يستدعى الحب... لقد بيّن علم النفس الحديث أن الطفل يستمد من محبة والديه له المقدرة على أن يحب بدوره الناس، وبعبارة أخرى إن حب والديه له يوقظه إلى الحب، يفجّر فيه طاقة الحبّ...

هكذا المحبة الفائقة التى أبداها الرب نحونا تنتزعنا من إكتفائيتنا لتلقى بنا بدورنا فى مجازفة الحب...

هذا الجواب الحى على محبّة السيّد يتّخذ، كما رأينا، شكل الحب لشخصه، ولكنه يتّخذ أيضًا شكل محبّة البشر... ذلك لأنه لا يسعنا، إذا كنّا مؤمنين، إلا أن نرى فى كل إنسان، أيًّا كان: [فَيَهْلِكَ بِسَبَبِ عِلْمِكَ اَلأَخُ اَلضَّعِيفُ اَلَّذِي مَاتَ اَلْمَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ] [1كورونثوس 8: 11]...

عند ذاك يصبح كل إنسان، فى نظرنا، ذا قيمة لا تقدّر، قيمة الدم الإلهى الذى سكب من أجله...

* إن محبة الفادى لنا تعين نوعية محبيتنا للناس:

محبّة الفادى لا تُلْهِم محبتنا للناس وحَسْب، ولكنها أيضا تعين نوعيتها... ذلك أنه ينبغى لنا أن نحبّ الناس بالمحبّة التى أحبهم بها المسيح... تلك هى وصية السيد فى خطابه الوداعى: [هَذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ] [يوحنا 15: 12]... هذا يعنى أنه ينبغى أن تكون لمحبتنا للناس الصفات التالية:

أ - مبنية على بذل الذات:

يُكْثر الناس من استعمال كلمة "أحبّ"، ولكنها هيهات أن يكون الحب الذى يتحدّثون عنه فى كثير من الأحيان هو الحب الأصيل الذى عاشه السيّد... "أحب التفاح" يعنى أننى أتلف التفاح من أجل لذتى...

"أحبّ" إنسانا يعنى فى كثير من الأحيان، إذا شئت أن أواجه حقيقتى، أننى أريد تسخيره وإستغلاله لشهوتى ومصلحتى... أمّا المسيح فقد أحبّنا من أجل أنفسنا وعوض أن يُسَخّرنا له سَخّرَ نفسه لأجلنا... لقد إعتبر أن لنا من الأهمية ما يُبرّر سفك دمه الإلهى عنّا... فأتاح لنا هكذا أن نكتشف المحبّة الحقة التى تقوم على العطاء... ولذا نرى الرسل يحثونا على إقتفاء آثتار السيّد فى محبتنا للناس، فقد قال الرسول يوحنا:

[وَمِقِيَاسُ الْمَحَبَّةِ هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي قَامَ بِهِ الْمَسِيحُ إِذْ بَذَلَ حَيَاتَهُ لأَجْلِنَا. فَعَلَيْنَا نَحْنُ أَيْضاً أَنْ نَبْذُلَ حَيَاتَنَا لأَجْلِ إِخْوَتِنَا] [1 يوحنا 3: 16]...

" أَنْ نَبْذُلَ حَيَاتَنَا " يسوع لم يعطِ فقط أشياء مما له، إنما أعطى ذاته للناس، طيلة حياته أولاً، التى كانت مسخّرة لخدمتهم، ثم فى تقدمته الكبرى على الصليب... ما يُطلب منّا أن لا نكتفى نحن أيضًا بإعطاء بعض الوقت والمال للغير، بلّ أن يكون الغير شغلنا الشاغل وموضوع إهتمامنا الدائم... المطلوب أن لا نعود نحن مركز إهتمام ذواتنا بلّ أن يصبح الغير هم مركز الإهتمام، كما كتب الرسول بولس: [فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ اَلضُّعَفَاءِ وَلاَ نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا. فَلْيُرْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِيبَهُ لِلْخَيْرِ لأَجْلِ اَلْبُنْيَانِ. لأَنَّ اَلْمَسِيحَ أَيْضاً لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: تَعْيِيرَاتُ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ] [رومية 15: 1 - 3]... 

 

الحياة في المسيح

الدواء ضد الخطيئة

أن جسد المسيح هو الدواء ضد الخطيئة، ودمه الكريم هو السبيل الوحيد الذي به يتخلّص الإنسان من جريرته وثقل خطيئته. فجسد المسيح صار كنزاً للكمال الإلهي وكان دائماً نقياً من كل خطيئة فأتمّ كل عدالة وبشّر بالآب بين البشر وكان مجهولاً عندهم وقتئذ. بشّر به قولاً وفعلا. هذا الجسد الذي نتناوله ذبح فوق الصليب وقاسى العذاب عندما اقتربت الساعة للتضحية فاستحم وسط عرق من دم. خانه يهوذا وقبض عليه وسيق مقيداً إلى أمام فاعلي الإثم، وشهد أمام بيلاطس الشهادة الصالحة كما يقول الرسول بولس. وبسبب شهادته العظمى تحمّل الموت، موت الصليب. تحمّل هذا الجسد الذي نتناوله الجلْد أيضاً، وسمّرت اليدان والرجلان وطعنت الجنب بحربة وتألم وقت الجلد ألماً عظيماً وعانى أشد العذاب عندما سمّر على الصليب. وهذا الدم الكريم، دم المسيح الذي نتناوله عندما انسكب من الجراح، أظلمت الشمس ومادت الأرض وتزلزلت، وتقدس الفضاء وتنقى العالم كله من رجس الخطيئة.

لم تكن للناموس الحرفي، ناموس العهد القديم، قوة تجعل الذين يحافظون عليه كاملين لأنه ناموس ناقص كان من الضروري أن يكشف عن ناموس الروح، ناموس العهد الجديد الكامل والقادر أن يقود الإنسان إلى الكمال. إن الألم الذي يعانيه المسيحيون والدموع التي يكسبونها ليحوزوا من جديد على النعمة التي خسروها بسبب الخطايا بعد المعمودية لا يفيد أنهم في شيء إذا هم لم يركضوا ويسارعوا إلى دم العهد الجديد والى جسد المسيح الذي ضحّي على الصليب. أن سر الشكر هو السر الذي يعتق أمام عدالة الله أولئك الذين اعترفوا بانسحاق قلب أمام الله بخطاياهم. نعتمد مرة واحدة ولكننا نتناول مراراً لأننا كبشر نخطئ ولكي نتخّلص من خطايانا من الضروري أن نهرع إلى التوبة والى الجهاد والصراع ضدّ الخطيئة ولكي نحظى بالغلبة علينا أن نتناول جسد المسيح ودمه الذي يشكل الدواء لشفاء الشرور الإنسانية.