الأحد الخامس من الصوم (القديسة مريم المصرية) 13 - 04 - 2008
الرسالة
بروكيمنن: صلّوا وأوفوا الربَّ إلهُنا.
ستيخن: اللّه معروفٌ في أرضِ يهوذا.
فصل مــن رسالـة الــقديس بــولـس الـرسـول إلـــى العـــبرانييــــن (11:9-14)
يا إِخوةُ، إنَّ المسيحَ إذ قد جاءَ رئيسَ كهنةٍ للخيراتِ المستقبَلَةِ فبِمَسْكِنٍ أعظَمَ وأكمَلَ غيرِ مَصنوعٍ بأيدٍ، أي ليسَ مِن هذِه الخليقة. وليسَ بِدَم تُيُوسٍ وعُجُولٍ بل بدَمِ نفسِهِ دخلَ الأَقداسَ مَرَّة واحدة فوجدَ فداءً أبدياً، لأنهُ إن كانَ دَمُ ثيرانٍ وتُيوسٍ ورَمادُ عجلةٍ يُرَشُّ على المُنَجَّسينَ فيقدِّسُهم لتطهيرِ الجسد. فكم بالأَحرى دمُ المسيحِ الذي بالروحِ الأزلي قرَّبَ نفسَهُ للّهِ بلا عيبٍ يُطَهِّرُ ضمائرَكُم مِنَ الأعمالِ الميِّتةِ لِتَعبُدوا اللّهَ الحيَّ.
الانجيل
فــصل شريــف مـــن بشارة القديـس مـرقـس الانجيلي (32:10-45)
في ذلك الزمان أخذ يسوعُ تلاميذَهُ الإثني عشر وابتدأَ يقول لهم ما سيعرِض لهُ: “هوذا نحن صاعدون إلى أورشليم وابنُ البشر سيُسْلَمُ إلى رؤَساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليهِ بالموت ويُسلمونَهُ إلى الأُمم، فيهزأُون بهِ ويبصقون عليهِ ويجلدونهُ ويقتلونهُ وفي اليوم الثالث يقوم” فدنا إليه يعقوب ويوحنَّا ابنا زبَدَى قائلَين: “يا معلم نُريد أن تصنعَ لنا مَهمَا طلبنا” فقال لهما: “ماذا تريدان أنْ أصنعَ لكما؟”، قالا لهُ: “أعْطِنا أن يجلِسَ أحَدُنا عن يمينِك والآخَر عن يسارِكَ في مَجْدِك” فقال لهما يسوع: “إنَّكما لا تعلمان ما تطلبان، أتستطيعان أن تشرَبا الكأسَ التي أشرَبَها وأن تَصْطَبِغا بالصِبْغَة التي أصطبغ بها أنا؟” فقالا له: “نستطيع” فقال لهما يسوع: “أمَّا الكأس التي أشرَبها فتشربانِها وبالصِبْغَةِ التي أصطبغ بها فتصطَبِغانِ، وأمَّا جلوسُكما عن يميني وعن يساري فليس لي أَنْ أُعطِيَهُ إلاَّ للذين أُعِدَّ لهم”. فلمَّا سمع العَشْرَةُ ابتدأُوا يغضَبون على يعقوب ويوحنا. فدعاهم يسوعُ وقال لهم: “قد عَلِمتُم إنَّ الذي يُحسَبونَ رؤَساءَ الأُمم يَسُودونَهم، وعُظمَاءَهم يَتَسلَّطون عليهم وأمَّا أنتم فلا يكونُ فيكم هكذا، ولكن مَن أراد أنْ يكون فيكم كبيراً فليكُن لكم خادماً، ومَن أراد أن يكون فيكم أوَّلَ فليكن للجميع عبداً. فإنَّ ابن البشر لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدِم وليبذُلَ نفسَهُ فداءً عن كثيرين”.
العقيدة المسيحية
* لقد فتح لنا يسوع بصعوده طريق السماء:
أى طريق الإشتراك فى الحياة الإلهية... بقى علينا أن نسلك هذه الطريق... ولكن طريقنا لا يمكن أن تكون غير طريق يسوع... وطريق يسوع إلى القيامة ثم إلى الصعود كانت طريق الإنسلاخ المعطاء... ريق نكران الذات فى إتجاه محب إلى الله والناس... لذا من أراد الإشتراك فى الصعود وجب عليه أن ينسلخ، بجهاد هو عملية الحياة كلها، عن التمتع الأنانى بخيرات الدنيا، كى يتجه، مع المسيح وبمؤازرة نعمته، إلى فوق، أى إلى تلك الشركة مع الله التى أعدّت لنا...
هذا ما علمنا إياه الرسول بولس عندما كتب إلى أهل كولوسى: [فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ. اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى اَلأَرْضِ، لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ اَلْمَسِيحِ فِي اَللهِ] [كولوسى 3: 1 - 3]...
* الصعود لا يعنى إذًا هروبًا من الأرض وواجباتها:
ولكن عبارة الرسول: [اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى اَلأَرْضِ] لا تعنى، كما يعتقد البعض، أنه ينبغى للمسيحيين أن يهملوا الأرض، أن يتركوها وشأنها... هذا التفسير بالطبع مرفوض لأنه ينافى محبة القريب التى بدونها، كما رأينا، لا يمكننا أن نقترب من الله... محبة الإخوة تفرض أن نهتم بشئونهم ليس الروحية وحسب بل الأرضية أيضًا (كما أشبع المسيح الجياع وشفى المرضى)، أن نعالج إذًا من أجلهم شئون الدنيا (بالعمل والعلم والنضال الإجتماعى مثلاً)...
عبارة الرسول تعنى إذًا أن نعرض عن التمتع الأنانى، النهم بخيرات الأرض... من إنشغل بهذا التمتع تغرّب عن الله وعن الآخرين لأنه غارق فى شهوته... أما المسيحى الذى يكافح أنانية الشهوة فإنه بمشاركته صليب الرب، يساهم فى صعوده، وإذ ينال هكذا الحياة الإلهية لا يصبح غريبًا عن الناس وهمومهم بل قريبًا منهم كل القرب بتلك المحبة التى فيه، المستمدة من محبة الله لخلائقه...
الصعود لا يعنى إذًا هروبا من الأرض وواجباتها ومشاكلها وآلامها... هذا الهروب، أيًا كانت مبرراته، يدل بالعكس على أننا لم نصعد بعد، على أننا لا نزال أسرى " الإنسان العتيق" فينا يؤلّه راحته وطمأنينته... الصعود هو بالعكس إلتزام كلّى لكلّ قضايا الإنسان فى الأرض... إنه حضور كله حب وبذل... ذلك أن السماء، كما سبق فقلنا، ليست فوق الغيوم ولكنها، فى صميم كياننا، إشتراك، منذ الآن، فى حياة الله...
لقد قال الرب يسوع: [وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا هَهُنَا أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ] [لوقا: 17: 21]... وملكوت الله هو الحياة الإلهية، هو بعبارة أخرى السماء... إذً، المسيحى الحقيقى يصعد إلى السماء دون أن يترك الأرض، إنه يعيش على الأرض سماويًا أى مشتركا فى حياة الله إلى أن تكتمل فيه فى اليوم الأخير...
هذا ما عبّر عنه الرب يسوع عندما قال عن تلاميذه، مخاطبًا الآب: [وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي اَلْعَالَمِ وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فَهُمْ فِي اَلْعَالَمِ وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ اَلْقُدُّوسُ اِحْفَظْهُمْ فِي اِسْمِكَ. اِلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ.
أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كلاَمَكَ وَاَلْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ اَلْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ اَلْعَالَمِ
لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ اَلْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ اَلشِّرِّيرِ] [يوحنا 17: 11، 14، 15]...
المؤمن المشترك فى صعود ربه يتخلّق بأخلاق الله: [اَلدِّيَانَةُ اَلطَّاهِرَةُ اَلنَّقِيَّةُ عِنْدَ اَللَّهِ اَلآبِ هِيَ هَذِهِ: اِفْتِقَادُ اَلْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ اَلإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ اَلْعَالَمِ] [يعقوب 1: 27]... ولكن الحياة الإلهية الكامنة فيه هى فى جوهرها حبّ وعطاء، لذلك لا يسعها إلا أن تنسكب وتنبت فيما حولها، ناشرة فى الأرض عدلاً وسلاما وفرحا وإخاء...
هكذا يُشعّ الملكوت من المؤمنين ليحوّل الأرض كما تُخمّر خميرة صغيرة العجين كله: [ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ] [متى 13: 33]...بهذا المعنى دعا الرب يسوع المؤمنين به: [مِلْحَ اَلأرْضِ] [متى 5: 13]...
الملح يختلف عن الطعام ولكنه يختلط بالطعام إختلاطا صميميًا ليطعمه كله... هكذا يحمل المؤمن فى ذاته حياة الله التى تفق العالم ولكنه يبثها فى كل مرافق الوجود الأرضى، فى الحياة العائلية والمهنية والإجتماعية والسياسية... حبّه للناس وإشتياقه إلى رؤية الملكوت قد تحقق تماما يدفعانه إلى رسم صورته فى الكون...
لذلك، لا يسعه إلا أن يجاهد من أجل كل حق وخير الأرض، من أجل العدل والسلام والإخاء بين البشر، من أجل كرامة كلّ إنسان ونمو شخصيته، من أجل تقهقر الشقاء والألم والمرض والموت...
الحياة في المسيح
وقد يدعي البعض أن عبادة الله تتم عندما نقوم بأعمال الفضيلة. هذه العبادة هي من صفات العبيد،"عندما تفعلون كل ما أُمرتم به تكونون عبيداً بطالين لان ما يجب فعله فعلناه") لوقا 17: 10). المدعوون إليها لا العبيد لذلك نتناول جسد المسيح ودمه، "الأولاد يتناولون جسداً ودماً" فكما أن المسيح اتخذ جسداً ودماً بشريين فقال "هاأنذا والأولاد الذين أعطانِيهِم الله" (أشعياء 8: 18) كذلك نحن لكي نصبح أولاداً لله علينا أن نتناول جسد المسيح ودمه. بالمناولة لا نصبح أعضاء في المسيح فحسب بل أبناء نقدسه ونخضع له بكل نية قلب وكما يليق بالأبناء. عندما نتناول نشعر بقربى نحو المخلص أشد من القربى التي تربطنا بأهلنا الذين ولدونا. إن الوالدين بعد مضي وقت معين يتحررون من الاهتمام بأبنائهم، أما المسيح الذي خلقنا في الحياة الروحية وولدنا فهو حاضر دائماً ومتحد معنا. يستطيع الأبناء أن يعيشوا حتى ولو فقدوا آباءهم، أما نحن فإذا انفصلنا عن المسيح فمن المستحيل إن نحتفظ بالحياة الروحية بل ننقاد حتماً إلى الموت الروحي. إن خبز الحياة يدخل إلى أعماق الإنسان الجديد ويجث أصول إنسان الخطيئة العتيق. المناولة المقدسة تعطي هذا القدر من الخيرات الروحية وبها، أي بمناولة جسد المسيح ودمه، ننعتق من الحكم الأبدي ونطرح عالم الخطيئة ونملك بهاء الصورة الإلهية ونتحد وثيقاً بالمسيح محمولين دائماً إلى سمو الكمال.
الاستعداد الكبير
يمنع الرسول بولس من المائدة أولئك الذين لا يعملون لأنهم لا يريدون: "من لا يعمل لا يأكل) "2 تسالونيكي 3: 10). إذاً كان الاشتراك في المائدة الأرضية يحتاج إلى عملٍ فأي عملٍ سامٍ ورفيع، حياة روحية تلزمنا نحن الذين نتناول جسد المخّلص ودمه؟ علينا أن نقترب لنتناول القرابين المقدسة بعد تهيئة عظيمة وبعد أن ننقي أنفسنا من كل دنس الخطيئة بواسطة الاعتراف.