الأحد الشعانين 20 - 04 - 2008
الرسالة
بروكيمنن: مباركٌ الآتي باسم الرب.
ستيخن: اعترفوا للربِّ فإنَّه صالحٌ وإنَّ إلى الأبد رحمتَهُ.
فصـل مـن رســـالة القديـس بـولــس الرســول الى أهل فيلبي (4:4-9)
يا ِاخوةُ، افرحوا في الربِّ كُلَّ حينٍ وأَقولُ أيضاً افرحوا. وَلْيَظهَرْ حِلمُكُم لجميع الناس فإنَّ الربَّ قريبٌ. لا تَهتمُّوا البَّتةَ بل في كلِّ شيء فَلْتَكُنْ طِلباتِكم معلومَةً لدى اللّه بالصلاةِ والتضرُّع معَ الشكر، وَليَحفَظْ سلامُ اللّه الذي يفوق كلَّ عقلٍ قلوبَكم وبصائرَكم في يسوعَ المسيح. وبَعدُ أيُّها الاخوةُ مهما يَكُنْ مِن حقٍّ ومهما يَكن مِن عَفافٍ ومهما يَكُنْ مِن عدلٍ ومهما يَكُنْ مِن طهارةٍ ومهما يَكُنْ مِن صِفَةٍ مُحَبَّبةٍ ومهما يَكُنْ مِن حُسْنِ صِيتٍ، إن تَكنْ فضيلةٌ وإن يَكُنْ مَدحٌ، ففي هذه افتَكِروا، وما تَعلَّمتُمُوهُ وتسلَّمتُموهُ وسَمِعتُموهُ ورأيتُموه فيَّ فَبِهذا اعمَلوا. وإلهُ السلامِ يكونُ معكم.
الانجيل
فصل شريف من بشارة القديس يوحنا الانجيلي (1:12-18)
قبل الفصح بستة أيامٍ أتى يسوعُ إلى بيت عنيا حيث كان لَعازَر الذي مات فأَقامهُ يسوع مِن بين الأموات. فصنعوا لهُ هناك عشاءً وكانت مرتا تخدِم وكان لَعازَرُ أحَدَ المتَّكئين معهُ. أمَّا مريم فأخذت رِطلَ طيبٍ مِن نارِدينٍ خالصٍ كثيرِ الثمن ودَهنَت قدمَيِّ يسوعَ ومَسَحَتْ قدمَيهِ بشعرِها، فامتلأَ البيت من رائحةِ الطيب. فقال أحد تلاميذهِ، يهوذا بن سمعان الاسخريوطيُّ الذي كان مزمِعاً أن يُسلِمهُ:" لِمَ لَمْ يُبَعْ هذا الطيب بثلاثَ مِئةِ دينارٍ ويُعْطَ للمساكين؟". وإنَّما قال هذا لا اهتماماً منهُ بالمساكين بل لأَنَّهُ كان سارقاً وكان الصندوق عندهُ وكان يحمِل ما يُلقى فيهِ. فقال يسوع: "دَعْها، إنَّما حَفِظَتْهُ ليوم دَفني، فإنَّ المساكينَ هم عندكم في كلّ حينٍ وأمَّا أنا فلستُ عندَكم في كلّ حينٍ". وعَلِم جَمعٌ كثيرٌ من اليهود أنَّ يسوعَ هناك فجاءُوا، لا مِنْ أجلِ يسوعَ فقط، بل ليَنْظروا أيضاً لعَازَرَ الذي أقَامَهُ من بين الأموات فأْتَمَرَ رؤَساءُ الكهنة أَنْ يقتلوا لَعازَرَ أيضاً، لأنَّ كثيرين مِن اليهود كانوا بسببهِ يذهبون فيُؤْمنون بيسوع. وفي الغد لمَّا سمع الجمعُ الكثيرُ الذين جاءُوا إلى العيد بأَنَّ يسوع آتٍ إلى أورَشليم أخذوا سَعَفَ النخل وخرجوا للقائهِ وهم يصرُخون قائلين:" هُوشَعْنا مباركٌ الآتي باسم الربِ ملكُ إسرائيل". وإنَّ يسوعَ وَجَدَ جَحْشاً فرَكِبَهُ، كما هو مكتوبٌ: "لا تخافي يا ابنةَ صهيون ها إِنَّ مَلِكَكِ يأتيكِ راكباً على جحشٍ ابنِ أَتانِ". وهذه الأشياءُ لم يَفْهَمها تلاميذُهُ أوَّلاً ولكنْ لمَّا مُجِّدَ يسوعُ حينئذٍ تذكَّروا أنَّ هذه إنَّما كُتِبَتْ عنهُ وإنَّهم عمِلوها لهُ. وكان الجمع الذين كانوا معهُ حين نادى لَعازَرَ من القبرِ وأقامهُ من بين الأموات يشهدون لهُ. ومن أجل هذا استقبَلَهُ الجمعُ لأنَّهم سمعوا بأنَّهُ قد صنع هذه الآية.
معنى الشعانين
"الشعانين" كلمة عبرية من "هوشعنا" أى يارب خلصنا(مت21: 9) وفى اليونانية"أوصنا"(hosanna) التى ترتلها الكنيسة فى يوم هذا العيد, ويقع فى الأحد الأخير من الصوم الكبير ويكون اليوم الأول فى أسبوع الآلام.
فى الصباح الباكر ومن بعد قداس الشعانين يبارك الكاهن أغصان الزيتون(رمزاً للسلام وملك السلام) وسعف النخل الأبيض(رمزاً للقلب الطاهر). ويجرى التطواف الرمزى فى الكنيسة, تذكارا لدخول "المسيح أورشليم راكبا على جحش بن أتان" رمز للإتضاع, الذى أشار اليه زكريا النبى فلم يركب الفادى جواداً مزخرفا كالملوك, بل حيوان يركبه أفقر إنسان!! هو أتان وجحش ابن أتان وهما يرمزان للأمم و اليهود, فهو يريد أن يملك على قلوب الكل. ولم تفرش له السجاجيد, وإنما فرش التلاميذ ملابسهم على الأرض!!.
هذا هو اليوم الذى رتب فيه المسيح أن يكون ملكا ويعلن فيه هذه الحقيقة ولكنه يعلنها فى صورة متواضعة فمن منّا يتصور أو يتخيل موكب ملك قادم فى الشوارع يظن فيه العظمة ولكن ملك الملوك ورب الأرباب لم يرد أن يدخل أورشليم كملك أرضى ولكنه يعلن لهذه المدينة أنه أتى ليكون ملكا متوجا على قلوبنا وللأسف لم يفهم سكان أورشليم هذا المعنى ولكنهم أرادوه ملكا أرضيا لأنهم كانوا ينتظرون المسيا المخلص ليخلصهم من العبودية الأرضية ومن يد الرومان – فبعدما دخل المدينة أراد البعض أن يختطفوه ويتوّجوه ملكا ولكنه هرب لأنه يريد أن يملك على القلوب وليس على الأجساد.
وهنا نتأمل بعض الشئ فى دخول السيد المسيح لأورشليم ورحلته حتى الصليب والقيامة:-
لما أراد السيد المسيح أن يعلن عن حقيقته ما يريده منا وهو أن يملك على قلوبنا طلب من تلاميذه أن يحضروا جحشا وأتان وقال لهم عن مكانهم وما سيقول الناس لهم. وعندما أحضروا الجحش فرشوه التلاميذ بقمصانهم وجلس السيد المسيح عليه ودخل أورشليم كملك ولكنه ملك متواضع حقا وقيل أنه عند دخوله أرتجت المدينة كلها وتجمع كل من آمن به بصورة غريبة لقد فهموا ما يريده منهم فعبّر كل واحد بصورة مختلفة فبعضهم خلعوا قمصانهم وفرشوا بها الأرض لكى ما تطأها قدما الرب ومنهم من قطعوا سعفا من النخيل أستقبلوه بها مرنمين للرب وقائلين: أوشعنا فى الأعالى مبارك الآتي باسم الرب.
الذين قدموا قمصانهم تنازلوا بهذا الفعل عن برّهم الذاتى الذين يتوشحون به يتنازلون عنه ويقذفونه إلى الأرض ليدوسه شمس البر ذاته كأنهم يقدمون نفوسهم عريانة أمام الله ليظهر لهم كل ما فعلوه من خطيئة. لقد خلعوا أنسانهم الخارجى وأظهروا ضعف الإنسان الداخلى لفد تخلصوا من المظاهر الخادعة الذين يقفون بها أمام الناس لكى يروهم أبرارا. لقد تنازلوا للسيد المسيح عن هذا البرّ ويقولون له مهما فعلنا فنحن عبيد بطالون.
هؤلاء هم الذين قدموا له قمصانهم. وماذا عن الذين قدموا له سعف النخيل؟
النخيل يرمز الى المؤمنين الأبرار (مز92: 12) فى الارتفاع نحو العلاء كأنهم في نموٍّ روحيٍّ مستمر وفى امتداد جذورها ترمز إلى الثبات فى المسيح فلا تتأثر بالرياح أو الجفاف فتكون راضية بالقليل وشاكرة الرب على هذا القليل، وهى كثيره المنافع كأنها تشابه المؤمن المثمر ولكي ما ننال ثمارها نرميها بالاحجار فنتلقى ثمارها كأنها تُماثل الشهداء الذين تحملو العذاب والرجم بالحجارة والآلام مباركين لاعنيهم ومحسنينا إلى مبغضيهم.
الحشد الذى أجتمع حول السيد المسيح وتلاميذه اجتهد في تسبيحه وتمجيده كونهم عرفوا بعض الشئ عن خطة الخلاص الذى وضعها منذ البدء عندما أخطأ أدم وخالف الله. أرادوا أن يعبروا جميعا وبنفس واحدة أنهم يشتاقون للقائه يشتاقون أن يتوجوه على قلوبهم يتصرف كما يشاء فى أمور حياتهم الداخلية والخارجية.
لقد أغتاظ كبار رجال الدين اليهود ودبت الغيرة فى قلوبهم من استقبال الأطفال وترنيمهم للسيد العظيم ترنيمة الظفر رغم اتضاعه (حسد الشياطين للمؤمنين) وطلب منه الفريسيون أن ينتهر تلاميذه. فقال لهم:"إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ"(لو 19: 40) والذهاب لأورشليم كان يرمز الى المسيح "الحمل" وهو يمثل "خروف الفصح" الذى كان يتم شراؤه, ويتم حفظه لذبحه فى عيد الفصح (بعد أربعة أيام). وهو مقدمة لألام الصليب, وإعلان لهدف مجىء المخلص الى العالم: "كان نظره متجها نحو أورشليم" (لو9: 53) وأورشليم ترمز للسماء (الملكوت) والى بيت الله فهل هدفنا الله وسماه؟ أم دنياه؟!
أقوال القديسين
أية محنة ذهنية عانى منها رؤساء اليهود وهم يسمعون جمهورًا عظيمًا كهذا يعلنون أن يسوع هو ملكهم!
لكن أية كرامة ينالها الرب ليكون ملكًا لإسرائيل؟
أي أمر عظيم لملك الأبدية أن يصير ملكًا للبشر؟
فإن ملوكية المسيح على إسرائيل ليس بقصد نوال جزية، ولا بتقديم سيوف في أيدي الجنود، ولا لهزيمة أعدائه في حرب علنية، لكنه هو ملك إسرائيل في ممارسته سلطانه الملوكي على طبيعتهم الداخلية، وفي تدبير اهتماماتهم الأبدية، وفي جلب الذين لهم الإيمان والرجاء والمحبة متركزة فيه إلى ملكوته السماوي. لهذا فإنه بالنسبة لابن الله، المساوي للآب، الكلمة الذي به كان كل شيء، وبمسرته صار ملكًا لإسرائيل، هو عمل فيه تنازل وليس فيه ارتفاع له. إنه سمة حنو، وليس تزايد في السلطة. فإن ذاك الذي كان يُدعى ملك إسرائيل على الأرض، يُدعى رب الملائكة في السماء.
القديس أغسطينوس
"ووجد يسوع جحشًا، فجلس عليه كما هو مكتوب". (14)
اعتاد السيد المسيح أن يدخل مشيًا على قدميه، لكنه الآن يمتطي جحشًا في تواضع عجيب. لم يأتِ راكبًا مركبة كسليمان (نش ٣: ٩-١٠) بأعمدة من فضة وقواعد من ذهب ومغشاة بالأرجوان. لم يكن مجده ماديًا، لأن مملكته ليست من هذا العالم، لهذا لم يحمل مظهر الأبهة.