الأحد الرابع من الصوم (القديس يوحنا السلمي) 6 - 04 - 2008
الرسالة
بروكيمنن: الربُّ يُعطي قوَّةً لشعبِهِ.
ستيخن: قَدِّموا للربِّ يا أبناءَ اللّه.
فصل مــن رسالـة الــقديس بولـس الـرسـول إلـى العبرانيين (13:6-20)
يا إِخوةُ، إِنَّ اللّه لمَّا وعدَ إبراهيمَ إذ لم يُمكِنْ أَن يُقسِمَ بما هو أَعظَمُ منهُ أَقسمَ بنفسِهِ، قائلاً: “ لأُباركنَّكَ بَرَكةً وأُكثِرَنَّكَ تكثيراً”، وذاك إذ تأَنَّى نالَ المَوعِد. وإِنَّما الناسُ يُقسِمون بما هُوَ أعظَمُ مِنهم وتَنقضي كلُّ مشاجَرَةٍ بينَهم بالقَسَم للتثبيت. فلذلِكَ لمَّا شاءَ اللّه أنْ يَزيدَ وَرَثةَ الموعِد بياناً لعَدَمِ تَحَوُّلِ عَزمِهِ تَوسَّط بالقسَم، حتّى نَحصُلَ بأَمرَيْنَ لا يتحوَّلان ولا يُمكِنُ أَن يُخلِفَ اللّه فيهما على تعزيةٍ قويةٍ، نحــــنُ الذينَ التجأْنا إلى التمسُّك بالرجاءِ الموضوعِ أمامَنا الذي هو لنا كمِرساةٍ للنفسِ أَمينةٍ راسِخَةٍ تَدخُلُ إلى داخلِ الحِجابِ، حيثُ دخَلَ يسوعُ كسابِقٍ لنا وقد صارَ على رِتَبةِ ملكـيصادَقَ رئيسَ كهنةٍ إلى الأَبد.
الانجيل
فصل شريف من بشـارة القديـس مرقس الانجيلي (17:9-31)
في ذلك الزمان دنا إلى يسوعَ إنسانٌ وسَجَدَ لهُ قائلاً: “ يا معلّم قد أَتيتُك بابني بهِ روحٌ أَبكم. وحيثَما أخَذَهُ يصرعهُ فيُزبِد ويَصرِفُ بأَسنانهِ ويَيْبَس. وقد سأَلتُ تلاميذَك أَنْ يُخرِجوهُ فلم يَقدروا”، فأجابهُ قائلاً: “أيُّها الجيلُ غيرُ المؤمِن إلى مَتَى أكون عندكم حتّى مَتَى أحتمِلكم؟ هلمَّ بهِ إليَّ ”، فأَتوهُ بهِ. فلما رآهُ للوقت صرَعَهُ الروحُ فسقط على الأرض يَتَمرَّغُ ويُزبِدُ، فسأَل أباه: “مُنذ كم مِن الزمان أصابَهُ هذا؟ ” فقال: “ منذ صباهُ، وكثيراً ما أَلقاهُ في النار وفي المياه ليُهلكَهُ. لكنْ إِن استطعتَ شيئاً فتحنَّن علينا وأَغِثْنا ”. فقال لهُ يسوع: “إن استطعتَ أن تؤْمن فكلُّ شيء مستطاعٌ للمؤمن ”. فصاح أبو الصبيّ مِنْ ساعتَهِ بدموعٍ وقال: “إني أُؤمن يا سيّد. فأَغِثْ عدم إيماني ” فلمَّا رأَى يسوعُ أنَّ الجَمعَ يتبادرون إليهِ انتَهَرَ الروحَ النجس قائلاً لهُ: “أيُّها الروحُ الأَبكم الأَصمُّ أنا آمُرُكَ أَن أُخْرُج منهُ ولا تَعُدْ تَدخلُ فيهِ”. فصرخ وخَبَطهُ كثيراً وخـرج مـنــهُ فصار كالميّتِ، حتى قـال كثيرون إِنَّهُ قد مات. فأخذه يسوع بيدهِ وأنهضهُ فقام. ولمّا دخل بيتاً سأَلهُ تلاميذُهُ على انفرادٍ: “لماذا لم نستَطع نحن أَنْ نُخرِجَهُ؟” فقال لهم: “إِنَّ هذا الجنسَ لا يمكن أَنْ يَخْرُجَ بشيءٍ إلاَّ بالصلاة والصوم”. ولمَّا خرجوا من هناك اجتازوا في الجليل ولم يُرِدْ أّنْ يَدْرِيَ أحدٌ، فإنَّه كان يعلّم تلاميذَهُ ويقول لهم: “إِنَّ ابنَ البشر يُسْلَم إلى أيدِي الناس فيقتلونَهُ وبعد أَنْ يُقتَلَ يقومُ في اليوم الثالث”.
العقيدة الأرثوذكسية
فالمجد الإلهى، كما رأينا، إجتاح إنسانية يسوع لما أسلمت بإرادتها ذاتها بالكلية على الصليب... هذا المجد الإلهى نفسه الذى أقام يسوع من بين الأموات كان كفيلاً بأن يصعده إلى السماء، أى بأن يهب لإنسانيته الإشتراك التام بالحياة الإلهية وبالسيادة الإلهية على جميع الكائنات... هكذا دخلت طبيعة يسوع الإنسانية، عندما بلغت الكمال بالصليب، فى ذلك المجد الإلهى الذى كانت طبيعته الإلهية تتمتع به منذ الأزل... هذا ما أشار إليه الرب عندما خاطب الآب قبيل ذهابه إلى الآلام قائلاً له: [وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ اَلَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ اَلْعَالَمِ] [يوحنا 17: 5]... هكذا كان إنحدار المسيح بإختياره إلى دركات الموت طريقا لبلوغه ذروة المجد...
هذا ما أشار إليه الرسول بولس عندما كتب: [اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ اَلَّذِي صَعِدَ أَيْضاً فَوْقَ جَمِيعِ اَلسَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ اَلْكُلَّ] [أفسس 4: 10]... عندما إبتعد ابن الله بتواضعه الفائق، إلى أبعد حدّ عن أصله الإلهى، عند ذاك، وبفعل هذا التواضع بالذات، عاد بجسده إلى ذلك الأصل الإلهى...
هذا ما انشده الرسول فى رسالته إلى أهل فيليبى: [الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اَللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ اَلنَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي اَلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى اَلْمَوْتَ مَوْتَ اَلصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اَللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اِسْماً فَوْقَ كُلِّ اِسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي اَلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى اَلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ اَلأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ اَلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اَللهِ اَلآبِ] [فيليبى 2: 6 - 11]...
* تلك هى السماء التى صعد إليها يسوع:
تلك هى السماء التى صعد إليها يسوع والذى كان إرتقاؤه فى الفضاء أمام التلاميذ صورة ورمزًا لها... إن عددًا من المؤمنين يخلطون بين السماء المادية و" سماء" الله... يعتقدون أن الله كائن يقبع فى أجواء الفضاء العليا... ويشاركهم عدد من غير المؤمنين هتذا التفكير... هكذا صرّح رائد الفضاء " تيتوف" أن الله غير موجود لأنه لم يجده أثناء رحلته الفضائية... هذا تصوّر صبيانى لا يليق بالعقل الإنسانى ولا بطبيعة الله... فالله ليس قابعا فى أجواء الفضاء الخارجى العليا، إنه كائن لا يحدّه مكان وهو حاضر بمعرفته وقدرته وحبه وعنايته فى كل مكان... إنما الإنسان لكونه كائنا حسيًا ومحدودًا، لا يستطيع أن يعبّر عن الله إلا بصورة حسية، ناقصة...
السماء المادية تعلو عن الارض، لذلك إتّخَذَت فى كل الأديان صورة عن تعالى الله... عبارة " سماء" نفسها مستقاة من " سما" التى تعنى " علا"... السماء المادية رمز إذًا لتعالى الله... هذا ما عبّر عنه أشعياء النبى عندما كتب: [لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي يَقُولُ اَلرَّبُّ. لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ اَلسَّمَاوَاتُ عَنِ اَلأَرْضِ هَكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ ] [أشعياء 55: 8، 9]... صعود المسيح إلى السماء يعنى، إذًا، إشتراك إنسانيته فى تعالى الله، فى حياة الله، فى مجد الله، فى سيادة الله...
* لكن يسوع صعد إلى السماء ليصعد البشرية معه:
نزعة الإنسان العميقة هى أن يبلغ إلى السماء، أى إلى الإشتراك فى الحياة الإلهية... هذا المعنى العميق لحنينه إلى القدرة والمعرفة والعدالة والحبّ والسعادة والخلود... ولكنه يطمع أن يبلغ السماء بفعله الذاتى... فأتباع الديانات الوثنية كانوا ولا يزالون يعتقدون أن الإنسان يستطيع أن يبلغ إلى عالم الإلوهة بواسطة طقوس يقيمه وتقشفات ينصرف إليها... كذلك نرى الكثيرين من البشر فى عالمنا الحديث يحلمون بتأليه الإنسانية بوسائل بشرية بحتة كالإختراعات العلمية والأنظمة الإجتماعية... تجاه تلك المواقف تعلن المسيحية أن الإنسان لا يستطيع بفعله الذاتى أن يتخلّص من حدوده ويبلغ إلى التأليه، إنه لا يسعه بمجرّد مبادرته الذاتية أن يتحرّر جذريا من الشقاء والخطيئة والعزلة والموت... السماء لا تقتحم إقحاما إنما تنحدر إلينا هبة مجانية... لم يكن بإستطاعة الإنسان أن يبلغ إلى الله لو لم ينحدر الله إلى الإنسان ليرفعه إليه... هذا ما عبّر عنه الرب يسوع عندما قال لنيقوديموس: [وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ] [يوحنا 3: 13]... طريق السماء أى الحياة الإلهية بما تتضمنه من إنتصار نهائى على الخطيئة والشقاء والعزلة والموت، إنما فتحه لنا المسيح عندما عاد بالجسد إلى مجده الذى كان له منذ الأزل... بصعوده دشّن صعودنا نحن... هذا معنى صلاته إلى الآب قبل الآلام: [أَيُّهَا اَلآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاَءِ اَلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا لِيَنْظُرُوا مَجْدِي اَلَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قََبْلَ إِِنْشَاءِ اَلْعَالَمِ] [يوحنا 17: 24]...
بصعود الرب يسوع المسيح بدأ تأليهنا نحن: [اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ - بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ] [أفسس 2: 4 - 6]...
الحياة في المسيح
فمن الواضح أننا سنحصل على هذا الخضوع عندما نصبح أعضاء في المسيح بواسطة سر الشكر. الرأس يعطي الأوامر للأعضاء "خبز الحياة " يجعلنا أعضاء في المسيح وكما أن أعضاء الجسد تعيش بالنسبة لعلاقتها بالرأس والقلب، كذلك يقول الرب "من يأكلني يحيا فيّ")يوحنا 6:57). لا شك أن الإنسان يحيا بما يدخله إلى أعضائه من غذاء: والتغذية المادية ليست حية لذلك لا تعطي الحياة. أنها تساعد على الحفاظ على الحياة الموجودة. ولكن خبز الحياة، المسيح، ليس غذاءً فحسب يساعد الحياة بل هو نبع الحياة والذين يتناولونه يملكون حياة روحية حقيقية. إن خبز الحياة، المسيح يحرك المتناول ويحوله ويدمجه بذاته. أننا نسجد بواسطة سر الشكر لله، بالروح والحق، ونقدم له عبادة نقيه، والعشاء الروحي هذا يقيمنا من الموت الروحي ويعطينا حياة، ويؤهلنا أن نعبد ونحن أحياء إلهاً حياً. لكن الانعتاق من أعمال الخطيئة المائتة ممكن فقط للذين يتناولون دائماً طعام الحياة هذا. وكما يجب أن نسجد "بالروح والحق" لان الله روح، هكذا يجب أن نعبده بملء الحياة الروحية، لا أمواتاً روحياً لان الله هو الحياة "ليس الله إله أموات بل إله أحياء" (متى 22: 32).