الأحد الثالث بعد العنصرة 6-7-2008

الرســـــــالة
بروكيمنن: قوّتي وتسبحتي الربُّ.
ستيخن:أدباً أدَّبَني الربُّ وإلى الموت لم يسلِّمْني.
فصل من رسالة القديـس بـولُس إلى أهل رومية (1:5- 10 )
يا إِخوةُ، إذ قد بُرِّرنا بالإيمانِ فَلَنا سَلامٌ مع اللّه بِرَبِّـنا يسوعَ المسيح، الذي بهِ حصل أيضاً لنا الدُخولَ بالإيمان إلى هذه النعمةِ التي نحنُ فيها مُقيمُون ومُفتَخِرُون في رَجاءِ مَجدِ اللّه. وليسَ هذا فقط بل أيضاً نَفتَخِرُ بالشدائِدِ عالِمينَ أنَّ الشِدَّةَ تُنشِىءُ الصَّبرَ، والصَّبرُ يُنْشىءُ الإمتحانَ والإمتحانُ الرَّجاءَ، والرَّجاءُ لا يُخزي. لأنَّ مَحَـبَّةَ اللّه قد أُفيضَتْ في قلوبِنا بالروحِ القدس الذي أُعطِيَ لَنَا، لأنَّ المسيحَ إذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعفـــــاءَ مــــاتَ في الأَوانِ عن المنافقين، ولا يكادُ أحدٌ يَموتُ عن بارٍّ. فلَعلَّ أحداً يُقدِمُ على أن يَموتَ عن صالِحٍ؟ أَمَّا اللّه فيَدُلُّ على مَحبَّتِه لنا بأنَّه إذْ كُنَّا خَطأةً بَعدُ ماتَ المسيحُ عَـنَّا. فبالأَحرى كثيراً إذْ قد بُرِّرْنا بِدَمِهِ نَخْلُصُ بهِ مِنَ الغَضَب، لأنَّا إذا كُـنَّا قد صُولِحْنا مع اللّه بِمَوتِ ابنِهِ ونحنُ أعداءٌ فبالأَحرى كثيراً نَخْلُصُ بحَياتِهِ ونحنُ مُصَالَحون.
الإنجيـــــــل
فصـــل من بشارة القديس متّى الإنجيلي ( 22:6 - 33 )
قال الربُّ:" سِراجُ الجَسَدِ العينُ. فإِنْ كانت عَينُكَ بَسيطةً فجَسدُكَ كلُّهُ يكونُ نَيِّراً، وإنْ كانت عَينُك شِرّيرةً فجَسدُكَ كلُّه يكونُ مُظْلِماً، وإذا كان النّورُ الذي فيكَ ظلاماً فالظلامُ كَم يكون؟ لا يستطيع أحدٌ أَنْ يَعْبُدَ رَبَّينِ؛ لأنَّهُ إِمَّا أنْ يُبغِضَ الواحِدَ ويُحِبَّ الآخَرَ، أو يلازِمَ الواحِدَ ويَرْذُلَ الآخَر. لا تَقدِرون أنْ تَعبُدوا اللّه والمالَ. فلهذا أَقولُ لكم لا تَهتمُّوا لأنفُسِكم بمَا تأكُلون وبِمَا تَشرَبون ولا لأجسَادِكم بِمَا تَلبَسون. ألَيسَتِ النَّفسُ أَفضَلَ مِن الطعامِ والجَسَدُ أفضَلَ مِنَ اللِّباس؟ أُنظروا إلى طُيور السماء فإنَّها لا تَزرَعُ ولا تَحصِدُ ولا تَخزُنُ في الأهْراء وأَبُوكم السماويّ يَقُوتُها. أَفَلَستُم أنتم أَفضَلَ مِنها؟ ومَن مِنكم إذا اهتَمَّ يَقدِرُ أنْ يَزيدَ على قامَتِهِ ذِراعاً واحِدة؟ ولماذا تَهتَمُّون باللِّباس؟ اعتَبِروا زَنابقَ الحقلِ كيف تَنمو: إنَّها لا تَتعَبُ ولا تَغْزِلُ وأنا أقولُ لكم إنَّ سليمانَ نَفْسَهُ في كُلِّ مَجْدِهِ لم يَلبَسْ كواحِدَةٍ مِنها، فإذا كان عشبُ الحقلِ الذي يُوجَدُ اليومَ وفي غَدٍ يُطرَحُ في التنُّورِ يُلبِسهُ اللّه هكذا، أَفلا يُلبِسُكم بالأَحرى أنتم يا قليليّ الإيمان؟ فلا تَهتمُّوا قائلين:‘ ماذا نَأكُلُ أو ماذا نَشرَبُ أو ماذا نلبَسُ؟’ فإنَّ هذا كلَّهُ تَطلُبُهُ الأُمَم. لأنَّ أبَاكم السماويَّ يَعلَمُ أَنَّكم تَحتاجُون إلى هذا كُلِّهِ. فاطلُبوا أولاً مَلَكوتَ اللّه وبِرَّهُ وهذا كُـلُّه يُزادُ لَـكُم.
العقيدة الأرثوذكسية
فإذًا، كل ما بينهم مشترك عدا الصفات الأقنومية...
وهذه قاعدة أساسية فى اللاهوت المسيحى... لذلك ترون فى الإنجيل أحاديث وأن هذه الأحاديث تدور، تارة، على الابن مولود من الآب وإذًا، هو خاضع للآب وعائد إليه - هذا فى موضوع التجسّد - وتارة تدور هذه الأحاديث على التساوى بينهما...
ثمة أحاديث، إذًا، تدلّ على التساوى بين الآب والابن...
وثمة أحاديث أخرى تدلّ على أن الابن مولود من الآب وبالتالى على أنه تابع من حيث أنه ليس هو المصدر ولكنه آت من المصدر بدون زمان... هو تابع ليس لأنه عبد للآب بل بمعنى انه متصل بالتبعية...
الابن والروح القتدس متصلان بالتبعية مع الآب بلا زمان، بلا تفريق، بلا فجوة وبلا بُعد...
ولكن هناك ثانٍ وثالث مقابل الأول وهو الآب الذى يبقى مصدرًا للاهوت... علينا، إذًا، أن نستوعب فى نفسنا المؤمنة، وفى نفس الوقت، أن بين الأقانيم الثلاثة تساويًا، ولذا، فثمة أحاديث تدور حول التساوى...
وأن بينهم تستسل وإرتباط وصلة ولذا، أيضًا، ثمة أحديث عن الصلة...
من أجل ذلك مردودة هى هذه الدعاوى: كيف يتكلم عن الآب أنه أهم من الابن وأعلى منه وأن المسيح يظهر نفسه بأنه خاضع؟....
المسيح خاضع لأنه تابع، لأنه ابن، والمسيح خاضع أيضا، فيما بعد، فى الإنجيل، لأنه تألم، لأنه إنسان، ولكن ليس فقط لأنه إنسان، بل أيضا، لأنه ابن وسيكون الله الآب الكل فى الكل، وفى الآخر سيخضع المسيح للآب لأنه، أى المسيح، يأتى بالإنسانية جمعاء إلى الله الآب...
ولكن، بصرف النظر عن المخلوق وبصرف النظر عن الفداء، فالمسيح متجه إلى الآب لأنه مولود منه...
لماذا كل هذه " الكركبة"، هذه " الشغلة" لماذا؟...
فقط لأن الله هكذا قال...
وما قاله صحيح...
ولكن ما المعنى الأخير للثالوث؟...
المعنى الأخير للثالوث هو أن الله محبّة... أى، هذا الإله الأول، كما تسميه الطقوس الأرثوذكسية، وهو الآب، الأول فى النطق وليس الأول فى الزمن...
الأول من حيث أنه المصدر...
هذا الإله الأول، لكونه محبّة، صدر عنه ابنه وروحه صدور حبّ...
صدورًا لا زمنيًا، ولكنه صدورًا حبيًا كما يقول القديس مكسموس المعترف...
الله الآب يحب بهذا المقدار أنه صدر عنه هذا الإثنان الابن والروح...
وهذا يعنى أن الابن هو الآب مسكوبًا كليًا فى الأقنوم الثانى...
الابن معناه جوهر الآب، طبعا، وليس أقنوم الآب وفرد الآب كفرد، أى معناه جوهر الآب، طبيعة الآب وحياة الآب...
وبكلمة عصرية، حياة الآب التى فيه إنسكبت كليًا فى الابن...
فإذًا، يمكننا القول أن الآب نفسه مُضحّى بالابن وكذلك إنسكبت كليًا فى أقنوم ثالث، وهو الروح القدس، حتى تكتمل دورة المحبّة...
قال متصوف أرثوذكسى التفكير وهو H. de Saint-Victor :
{ الآب يحبّ الابن، هكذا أن الروح القدس انبثق من الآب حتى يكون الابن محبًا للروح القدس وحتى يكون الابن محبوبًا من الروح القدس }.
من هنا أنه فى التجسد، الله يأتى ليكلّم الناس... يقول " نيقولا كاسيلاس" أن الله هو الخطيب وهو كمن يخطب بنتًا فيأتى ويخطب ودها. المسيح خطيب للجنس البشرى...
جاء ليبذل الحب للناس حتى يذعن الناس لهذا الحب. المسيح أحبّ، فى النهاية، لكى يدرب الإنسانية، حتى يفتح قلبها على الله. المسيح هكذا فعل لأنه مفوض. وهو مفوض أن يفعل هذا لأنه هو هكذا، لأن من طبيعته أن يحب. الأمور كلها مضبوطة بشكل أن من لا يقبل الثالوث لا يقبل المحبة...
وبالتالى، الثالوث القدوس هو المتجلّى وهو التعليم الكامل والسليم عن الله فى حياته والذى هو وحده الأساس والضابط لكل شئ...
من هنا ترون أن الثالوث ليس فذلكة عقلية وليس هو أن الآباء أرادوا أن يتسلّوا لأنهم درسوا الفلسفة اليونانية فركبوا الأمور هكذا...
القضية ليست أننا فلاسفة أذكياء ونرتب الأمور هكذا...
كلا... ذلك أن هذه القضية، قضية الثالوث، وصلنا إليه وهى كشفت لنا، فى النهاية، على الصليب...
الحمل الذبيح قبل إنشاء العالم والذى رأيناه مذبوحا، فى وقت ما، على تلة من تلال أورشليم، هذا الحمل كشف لنا أن هذه العملية التى هى موته وحبه، عملية لا تفهم ولا تدرك إلا لأنها عملية تامة منذ الأزل...
الله، منذ الأزل، أحب الجنس البشرى وأرسل الابن... الله حين ظهر إلى الوجود - وهو مجرد تعبير - أى قبل الوجود، سرمديًا، ظهر إلها محبًا، محاورًا نفسه ويحرّك الحب فى نفسه حتى يستطيع أن يكشفه للناس، جوهرًا، بهذا المعنى...
الحياة في المسيح
كما أن الولادة في المسيح هي إلهية وفائقة الطبيعة كذلك الحقيقة المسيحية والغذاء والحمية الضرورية للحياة في المسيح هي جديدة وروحية . شدد المسيح على هذه الحقيقة عندما قال لنيقوديموس: "المولود من الروح روح هو " (يوحنا 3:6). بسر الشكر الإلهي نلبس المسيح ونأخذ الوشاح الملوكي. كل الأمور البشرية تذكر بالعبودية ولكن هناك الحرية والملكوت فكيف نصير أحراراً روحياً وأهلاً لهذا الملكوت إذا كنا لا نظهر فضيلة أكثر مما يظهره العبيد؟ كما أن الفساد الذي تحدثه الخطيئة لا يستطيع أن يرث الحياة الروحية غير الفاسدة "يجب أن يلبس الفساد عدم الفساد، والمائت أن يلبس الخالد" ( 1 كورنثوس 15: 53) كذلك أعمال العبيد لا تكفي لميراث الملكوت السماوي بل تحتاج إلى تبرير الله الذي يحول عبد الخطيئة لابن وارث، لأن العبد "لا يبقى في البيت إلى الأبد أما الابن فإلى الأبد" (يوحنا 8: 35). فالمسيحي الملتهب بشوق ميراث الملكوت عليه إلا يكون عبداً للخطيئة ليصبح ابناً يملك في داخله الابن الوحيد ويظهر في يوم الدينونة حاملاً لجمال السيد الروحي.
يتخلص الإنسان من عبودية الخطيئة ويصبح حراً روحياً عندما يتحد بالمسيح . لقد أعلن المسيح هذه الحقيقة الجوهرية : "إذا حرركم الابن فأنتم (بالفعل) أحراراً" (يوحنا 8: 31)، يحرر المسيح البشر من الخطيئة ويجعل العبيد أبناء لأنه هو ذاته حر من كل خطيئة وبريء من كل دنس. فالقديس في كل شيء يعطي للمؤمنين الجسد والدم والروح وبهذه الطريقة يعيد خلقنا ويحررنا ويقودنا إلى التأله لأنه يتحد ذاته معنا، و هو الإله الحقيقي ونبع الصحة الروحية والحياة والحرية . وبهذه الوحدة المستيكية
والروحية يصبح المسيح خيراً نمتلكه نحن.