حضورٌ أرثوذكسي في إيران وشهادةٌ أرثوذكسية للتعايش والتحاب

بدعوة كريمة من مركز حوار الأديان لرابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في إيران، لمجلس العلاقات الإسلامية المسيحية في الكويت. توّجه وفدٌ يضمن كل من الأرشمندريت إفرام الطمعي وكيل مطران الخليج العربي، ومطران اللاتين في الكويت الأسقف كاميلو بلين، وراعي الكنيسة الإنجيلية في الكويت القس عمانوئيل غريب، وكل من السيد زهير المحميد ورياض الكاظمي، إلى إيران ممثلين المجلس ومشاركين في ندويتين في كل من طهران وقمّ المقدسة بعنوان - مبادرات التعاون الإسلامي المسيحي في القضايا المشتركة،و التحديات والفرص للعلاقات الإسلامية المسيحية، وذلك يومي الاثنين والثلاثاء الموافقين لل 21 و22 -11-2011م .

         
 

الأوراق المقدّمة في الندوة الأولى تمحورت حول سبل التعايش وتفعيل الحوار واللقاءات البناءة لزيادة فهم كل من الطرفين واحدهما للآخر. وكان للأرشمندريت إفرام في ندوة طهران مداخلتين، الأولى بعنوان الغرب ليس بمسيحي وإنما فيه مسيحيون. والثانية حول موقع الكنيسة الأرثوذكسية من القضايا الوطنية والدفاع عن الأوطان في حالة الحروب الاعتداءات.

         
 

أما بما يختص بالمداخلة الأولى، فقد صحّح الأرشمندريت إفرام النظرة التي ما تزال تعتبر بأن الغرب هو مسيحي، وأن ما يأتينا نحن الذين في الشرق من حروب وتدمير وويلات من الغرب، ما هو إلا حملات صليبة جديدة تذكرنا بالحملات الصليبة التاريخية التي باركتها الكنيسة الغربية حينذاك. واكد بأن القيم المسيحية، لا تسمح بالتعدي على الآخر وإنما احترامه واحترام حريته واختياراته. والغرب الذي يشنّ الحروب هنا وهناك، ما هو إلى نتاج العلمانية التي غرّبت الله فيها عن الإنسان، وجعلت المنتفعات الاقتصادية، هي التي تقود القرارات بالتدخلات وشن حروب هنا وخلق نزاعات هناك. حتى إن كل من الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية، حاولتا ان تدخلا ضمن الدستور الأوروبي أثر المسيحية التاريخي في تكون جُلَّ الأخلاق الأوروبية من تسامح وعدل، إلا ان الاتحاد الأوروبي رفض ذلك، ليؤكد نظرتنا، بأن المسيحية براء مما يحاك لشرقنا ولمجتمعاتنا العربية من عدوان ومؤامرات وحروب. ورجا الأرشمندريت إفرام من الحاضرين باعتماد هذه اللغة والتمييز ما بين العلمانية القائمة على المصلحة الشخصية والمنفعة لاقتصادية المشعلة للحروب والفتن في أرجاء العالم، وما بين المسيحية التي تدعو للسلام والخير والتحاب.

         
 

أما المداخلة الثانية فأكد فيها الأرشمندريت إفرام على موقع الأوطان في حياة الأرثوذكسي ودور الكنيسة في الزود والدفاع وقيادة النضال ضد المتربصين بالأوطان والمعتدين عليها. فأوطاننا هي منحة من الله، يقول الأرشمندريت إفرام، ونحن مؤتمنون عليها وعلى حمايتها من اي معتدي أو غاصب لهذا وإن كانت الكنيسة تدعو دائما للسلام والتعايش بمحبة ووئام، إلا أنها في الوقت نفسه لا تقبل أن يعتدى على الوطن وتكون أولى المدافعين والمشجعين لأبنائها على الجهاد والنضال ضد المعتدي والمغتصب. وتحرير الأوطان من المحتلين والمستعمرين.

         
 

في نهاية اليوم الأول في طهران جرى لقاء مع المطران سيبو سركيسيان مطران الأرمن في طهران وصار الحديث معه للتعرّف أكثر على واقع المسيحيين في طهران وفي إيران عامة، و كم من الحرية يتمتعون فيها وأريحية في ممارسة عباداتهم وبناء كنائسهم ومدارسهم ورفع الصلبان فوق الكنائس والمرافق الدينية التابعة للكنيسة، وكما وقرع أجراس الكنائس أيام الآحاد والأعياد. ومشاركة الدولة الكنائس في اعيادها وأيضا رجال الدين جنب إلى جنب مباركين للمسيحيين أعيادهم ومواسمهم المباركة. كما وأيضا المسيحيين تجاه المسلمين حيث أخبرنا سيادة المطران بإقامة مائدة إفطار في رمضان لكل المشايخ ورجال الدين المسلمين في الكنيسة. وفي النهاية خرجنا بانطباع ممتاز عن مقدار الحرية والانفتاح الذي يعيشه المسيحيين في إيران والذي عددهم يربو على المليون.

         
 

في اليوم الثاني انتقل المؤتمرون إلى مدينة قمّ حيث جرت ندوة بالعنوان نفسه مع أئمة ومراجع قم برعاية مركز إسراء وحضور شخصي من المرجع العلامة الشيخ جواد الآمالي، احد المراجع السبعة الكبرى في قمّ. وهناك قدم الأرشمندريت إفرام ورقته بعنوان تطوير المناهج التربوية الدينية ونشر ثقافة التسامح، من خلال تعريف الطلبة على مختلف الديانات السماوية من مصادرها مع التركيز على القيم السماوية المشتركة لتعميم الثقافة العقائدية وتوسعة الأذهان لدى الجميع في الشرق والغرب. كما والآخرين قدموا أوراقهم التي تمركزت حول تطوير الأساليب لخلق جو من التعايش والتحاب بين المختلفين بالدين والملتقين بالإيمان والمحبة.

         
 

قام المؤتمرون بزيارة مباركة لمقام السيدة معصومة أخت الإمام الرضى ثامن الأئمة الاثني عشر والذي مقامه في مدينة مشهد. الزيارة كان لها الوقع الكبير في نفوس الجميع، المهابة والجلالة والخشوع والصلاة تراها في جنبات المقام. السجود والقراءة هنا وهناك سيدات وفتيات، شباب وشابات رجال وشيوخٌ، سُجّد هنا وراكعين هناك يلهجون بذكر الإله العلي ويتباركون من مقام السيدة معصومة سائلين التوفيق والرحمة والشفاعة عند الله.

         
 

اليوم الأخير كان لنا فيه زيارة إلى مدينة أصفهان التاريخية الأثرية التي كانت في عصر من العصور عاصمةً للدولة الفارسية. وفيها شهدنا على عظمة تلك الحضارة وزرنا ديراً للأرمن يعود تاريخه لأكثر من أربعمائة عام، شاهداً على قِدًمٍ الوجود المسيحي في إيران وعلى الحقوق التي كانوا يتمتعون فيها من بناء للكنائس والأديار والمراكز الدينية المسيحية التعليمية والثقافية.

أنهينا الزيارة التاريخية وعدنا قافلين إلى الكويت مزودين بمعلومات كان قد تساءلها العديد من أبناء كنيستنا حول الوجود المسيحي والحريات والتعايش في إيران، فجاء الجواب بالإيجاب ليؤكد على أن إيران بلداً حضاريا مثقفا حراً منفتحاً قابلاً للآخر المختلف عنه، وضامنا لتواجده وممارسته حقوقَه وعباداتِه بالشكل الجيد والذي يتماشى مع طبيعة البلاد

انقر هنا لقراءة الكلمة