من كتاب "أقوال الحياة" صفحة 72

 

مواجهـة المـوت

عظة للقدّيس يوحنا الذهبي الفم

 

أمورٌ كثيرة نريد أن نعرفها ونفهمها، وأولها الآن الذي ستتمّ فيه نهاية العالم. ولكي يحصر الرسول بولس انشغالنا هذا الذي في غير أوانِه، كتب في إحدى رسائله: "وأما الأزمنة والأوقاتُ فلا حاجةَ لكم أيها الإخوة أن أكتبَ إليكم عنها لأنكم أنتم تعلمونَ بالتحقيق أنّ يومَ الربّ كلصٍّ في الليل هكذا يجيء" (1تس 1:5-2).

 

قولوا لي ماذا سنربح إذا عرفنا متى سيكون مجيء المسيح الثاني؟ لنفترضَ أنه سيكون بعد عشرين أو ثلاثين أو مئة سنة، أيُّ معنى يمكن أن يحمله هذا لنا؟ أليست النهايةُ بالنسبة لكلِّ واحدٍ منّا تأتي مع نهاية حياتهِ؟ لماذا إذاً تشغل رأسك وتتعذّبُ بالنسبةِ لنهاية العالم؟ لكن للأسف كما يحدثُ في حالاتٍ أخرى كثيرة لا نبالي فيها بالأمورِ التي تخصّنا بشكلٍ مباشر وننشغلُ بأمورِ الآخرين، نهملُ قضايانا ونهتمّ بقضايا غريبة، هكذا في هذه الحالة وبدلاً من أن يهتمّ كلُّ واحدٍ منّا بنهايتِه، نريدُ أن نعرفَ بالتفصيلِ كيف ومتى ستأتي نهايتُنا جميعاً.

 

إن أردتم أن تعرفوا لماذا نهايةَ حياةِ كلّ واحدٍ منا غير معروفة ولماذا يأتي الموتُ فجأةً كالسارقِ في الليلِ فسأقول لكم: "أظنّ أنه يحدثُ هكذا تماماً، فإنه لو عرفَ كلُّ واحدٍ منا توقيتَ لحظة موته لما اهتمّ بالقيامِ بأعمالٍ بارة طول حياته، لكنه إن عرفَ متى سيكونُ يومَه الأخير، فإنه سيتوبُ قبل أن يغمضَ عينيه إلى الأبد بقليلٍ بعد أن يكون قد ارتكبَ معاصي لا تُحصى في حياته، وسينتقلُ إلى الحياةٍ الأخرى مخلَّصاً من خطاياه. إنّ الخوف من جهل زمن الموت يهزُّ نفوسَنا بعد أن نقضي حياتَنا كلّها في الخطيئةِ، وعندما، في أيامِنا الأخيرة، تُقَرِّرُ غالبيتُنا أن تتوبَ، فإن ساعدَنا الوقتُ طبعاً، مَن منا كان سيهتمّ للفضيلةِ لو عرفَ متى سيموت بالضبط؟ لن نتردّدَ بارتكابِ أيّ أمرٍ حتى ذلك اليوم: لانتقمنا من أعدائِنا، وقتلنا كلّ مَن أرَدْنا، وأرضينا كل أهواء نفوسِنا المتوحشةِ على حسابِ البشرِ أمثالَنا وبعد ذلك ، وقبل أن نموتَ، نتوب!

 

إضافة إلى هذا، فإنه لا أعمال التضحية الحقيقية بالذات كانت وُجدت، ولما حصل ذوو النفوس الباسلة على أيّ مكافأة، لأنهم عندما كانوا يواجهون الأخطار المختلفة بجرأة وبشجاعة، كانوا يستقون شجاعتهم من عدم تأكّدهم من أنّ ساعة موتهم لم تأت بعد، والأكثر جُبناً كان سيرمي نفسه في النار من دون تردّد، ظنّاً منه أنه لن يتعرّض لأيّ خطر، لأنّ الذي يعرف أنه يمكن أن يفقد حياته في خطرٍ ما ومع ذلك لا يتردّد أن يتعرّض لهذا الخطر يبرهن بوضوح عن شجاعته وتضحيته بنفسه.

 

مَن لديه فكر حكيم حقاً، ويتوجه برجاء إلى الخيرات الآتية، لا يعتبر حتى الموت موتاً، أي إنّ البار الذي يمشي في طريق الله و ينتطر كلّ يوم الدخول إلى ملكوته لن يقلق، ويضطرب أو يحزن عندما يواجه الموت وجهاً لوجهٍ، أي عندما يرى قريباً له أو صديقاً ميتاً على سبيل المثال، إضافةً إلى أنه يعرف أنّ الموت بالنسبة إلى أولئك الذين عاشوا ببرّ على الأرض ليس سوى انتقالٍ إلى حياةٍ أفضلَ ورحلةٍ إلى مكانٍ أفضلَ وطريقٍ يقود إلى الأكاليل.

 

لذلك توجد المدافن والقبور أمام المدن والقرى لكي تذكّرنا باستمرار بالموت الإنساني، هكذا كلّما ندخل إلى مدينةٍ كبيرة وغنية أو إلى قرية رائعة وجميلة، وقبل أن نرى روائعها ومشاهدها، نرى نهاية كلّ جمال وغنى ومجد مصيره.

 

أيضاً، عندما يتزوّج رجل وامرأة، غالباً ما يوقّعان عقداً ينظّمان به مسبقاً مصير ثروتهما في حال موت أحدهما: "إن مات الزوج قبل الزوجة سيحدث هذا، وإن ماتت الزوجة قبل الزوج سيحدث هذا وهذا". لم يتعرّفا إلى بعضهما البعض جيداً بعد، ولم يبدأا حياتهما، ويفكّران بالموت، كما يذكر العقد مراتٍ كثيرة ما سيحدث إن مات الولد الذي سيلدانه: "إن مات الولد الذي سيولد سيحدث هذا وهذا، لم يظهر الخلق بعد وأُصدر قرار موته!

 

ماذا أريد أن أقول بكلّ هذا؟ إنه عندما يذهب إلى مكتب تسجيل العقود لتنظيم عقد ما يكون كل إنسان عارفاً أن الموت سيزوره في أيّ لحظة هو نفسه أو سيزور أحد أقربائه ويعتبر الأمر طبيعياً ولا مهرب منه على الإطلاق، لكن عندما يأتي الموت، ينسى كلّ ما كتبه ويقول شيئاً آخر: "هل يتحتّم علىّ أن أصاب أنا أيضاً بالأمر نفسه؟"، يصرخ الرجل الذي يترمّل بنحيبٍ وتأوهات، "هل توقّعت أن تواجهني كارثة مثل هذه وأفقد امرأتي؟. ماذا تقول أيها الإنسان؟ هل كنت تعتقد بأنك عندما كنت بعيداً عن الموت كنت تعرف القوانين الطبيعية جيداً، والآن عندما أصابتك المصيبة نسيتها؟ ربما أخذ الله امرأتك لأنه يريد أن يقودك إلى العفة، لأنه يعتبرك قادراً على جهاداتٍ أكبر، وعلى حياةٍ روحية عليا، ولذلك حرّرك من الرباط الزوجي.

 

وأنتِ أيضاً أيتها المرأة التي فقدت زوجها، لماذا تبكين؟ هل لأنك فقدتِ مَن يحميك وبقيت وحيدة في العالم؟ لا تقولي أمراً كهذا أبداً، لأنك لم تفقدي الله الذي هو حامينا الحقيقي جميعاً. فطالما أنّه لديك الله وهو يُعينك، فأنت لست بحاجة إلى أحدٍ آخر. ألم يكن الله مَن يعطيكما كلّ شيء عندما كان زوجك حياً؟ فكّر في هذا وقُل مثل داود: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف؟ الرب حصن حياتي ممن أرتعب؟" (مز 1:27). الآن هو "أبو اليتامى ونصير الأرامل" (مز 5:68)، سيهتمّ بكِ أكثر بكثير مما اهتمّ قبلاً.

 

إذاً، هل ترى قريباً لك يرحل من هذا العالم؟ لا تخف أو تحزن أو تتهاوى، بل استجمع نفسك وافحص ضميرك وفكّر في أن النهاية تنتظرك بعد وقت طويل. قد تقول لي: "لكن الميت يفسد ويصبح غباراً، نعم، ولذلك تحديداً يجب أن تفرح أكثر. عندما يريد أحد إعادة بناء بيت صار قديماً يوشك على السقوط، فيعد أن يُخرج السكان، يهدمه أولاً ويبنيه بشكل أفضل، وعندما يحدث هذا لا يحزن السكان لأنهم خرجوا من البيت القديم بل بالحريّ يكونون فرحين، كما ترى، فإنه لا يهمّهم التهديم الذي يرونه بعيونهم لأنهم يتأمّلون البناء الجديد والجميل الذي سيرتفع، وإن لم يروه بعد. يفعل الله الأمر نفسه عندما يريد تفكيك جسدنا: يُخرج النفس التي تعيش بداخله أولاً، كما كان سيخرجها من بيت قديم على وشك السقوط لكي يضعها ثانية، وبمجد أكبر، في البيت الجديد الذي سيبنيه. عندما خُلق آدم لم يرَ أنه جُبل من التراب، أي إن الله لم يجبل النفس أولاً لكي لا ترى خلق الجسد، لذلك لم تعرف النفس شقاء الجسد، لكن عندما ستحدث القيامة العامة، حينئذٍ ستوجد النفس في جسدٍ لا يبلى، وليس في ثوبها الترابي القديم.

 

وإن يكن الميت لا يرى نفسه، لكنه يرى أولئك الذين ماتوا قبلاً كيف أصبحوا غباراً، فيتعلّم الكثير. أنظر عدد المجتمعين والواقفين أمام الأموات وحتى مَن هم أكثر عجباً وأكثر شجاعة! تُسمع كلمة "موت" فتنتفض قلوب الجميع من الخوف، نتحذلق حول القبور ونفكّر أين سننتهي ونثرثر عن بطلان الأشياء الدنيوية، لكن ما أن نبتعد ننسى حتى عدميتنا. فعلى سبيل المثال، عندما يكون أحد في جنازة صديقٍ له، يميل على جاره ويقول له كلمات كهذه: "حقاً كم نحن بائسون! كم هي حياتنا تافهة! ترى ماذا سنصبح بعد الموت؟ هذا يجب أن نفكّر فيه ولا نغتّم ونظلم أو نحفظ الإساءة..." يبدو أنه يتكلّم بصدق كبير إذ حين تسمعه لا تشككّ بأنه في اللحظة نفسها سيرفض شرّه من كلّ نفسه وسيبدأ العيش ببرّ، لكنّه للأسف، سينسى بعد الجنازة خوفه وأقواله وسيتابع العيش في  الخطيئة كما في السابق.

 

لنعد ثانية إلى موضوعنا. قل لي لأيّ سبب تبكي، وبألمٍ شديد، على ذاك الذي مات؟ هل لأنه كان سيئاً؟ إذاً، لا يجب أن تبكي فقط، بل أن تشكر الله الذي أوقف شرّه، أم على العكس، لأنه كان صالحاً؟ ففي هذه الحالة يجب أن تفرح لأنه مات "قبل أن يبدّل الشرّ ضميره أو أن يخدع شقاء الخطيئة نفسه" (المترجمة) (حك.سل 11:4)، هل لأنه كان شاباً؟ أشكر الله على ذلك أيضاً ومجدّه لأنه أخذه ليكون قريباً إليه. فمثلما نشيّع أولئك الذين يذهبون لكي يستلموا مركزاً ما، بفرح وارتياح، هكذا يجب أن نشيّع أولئك الذين يرحلون من هذه الحياة لأنهم يذهبون ليكونوا قريبين من الله، إلى حيث سيتنعّمون بشرفٍ وسعادةٍ كبيرين.

 

كيف ستزيدون أرباحكم، ولم يعطوا من أعوازهم إلى الأكثر فقراً واحتياجاً منهم، سيرمونكم أنتم أيضاً في الفقر سريعاً.

 

قد يقول أحد: "لكنني فقدتُ ولدي المحبوب الذي كنتُ أعلّق عليه آمالاً كثيرة". ماذا تفعل هنا؟ أشكر الله الذي أخذ ولدك، لأنك لستُ أعلى من إبراهيم الذي قاد ابنه اسحق إلى الجبل لكي يقدّمه بعد أمرٍ إلهي. وكما قدّم ذاك ولده المحبوب لله من دون تذّمر هكذا قدِّمه أنتَ أيضاً ولن تأخذ مكافأةً أقل. لا تبكِ أو تنُح أو تتأوه، بل قُل ما قاله المغبوط أيوب عندما فقد أولاده جميعاً: "الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً (أي 21:1). هكذا أسْكتَ امرأته قائلاً لها هذه الأقوال التي تدعونا للعجب: "أنقبل الخير من عند الله والشرّ لا نقبل؟" (أي 10:2). هكذا فكّر أنتَ في أنّ ولدك لم يقع في يديّ العدو أو المجرم بل ذهب إلى الله الذي يهتمّ به أكثر منك والذي يعرف منفعته أكثر منك، أنظر كم من الأولاد الأحباء قد جعلوا حياة أهلهم جحيماً.

 

ستسألني: "ألا ترى الأولاد الصالحين؟"، فأجيبك: "أرى أولئك الأولاد لكنّ حالة ولدك أكثر ضماناً من حالتهم، يمكن أن يكونوا صالحين الآن، لكنّ نهايتهم غير معروفة، أنتَ ما عدتَ تخاف على ولدك، ألا يصيبه أمر أو ربما يسلك طريقاً معوجّة. لذلك أقول لك ثانية لا تبكِ، مجّد الله فقط كما فعل أيوب.

 

قد تقول: "وكيف لا أبكي؟ ألستُ أباً حقيقياً؟". ما هذه الأقوال؟ هل فقدتَ ولدك؟ ربما الآن جعلته ولدك وملكته بكلّ تأكيد، لم تتوقف عن أن تكون أباً، فأنتَ بالحريّ أعلى من ذلك – لست أباً لإنسانٍ ميت بل لكائن خالد! لا تظن أنك فقدتَ ولدك حقاً لأنه ليس بالقرب منك، فكما سيظل ولدك عندما يهاجر إلى بلدٍ بعيد، هكذا هو الآن أيضاً عندما رحل إلى السماء. وأنتَ إذ ترى عينيه مغمضتين، وفمه صامتاً وجسده ساكناً، لا تفكّر: "هذا الفم لن يتكلّم بعد، وهاتان العينان لن تريا بعد، وهاتان القدمان لن تمشيا بعد، بل فكّر في أن هذا الفم سينطق بكلماتٍ أفضل، وهاتان العينان ستريان أشياء أجمل، وهاتان القدمان ستمشيان في السماء، وهذا الجسد سيقوم غير فاسدٍ وسأسترجع ولدي ثانيةً أكثر بهاء".

 

قد تقول لي: "لكني لا أعرف أين ذهب"، كيف لا تعرف؟ فهو إما عاش بما يُرضي الله وإما لا، إذاً، فإنّ مكان ذهابه هو معروف. وقد تقول: "لذلك بالضبط أبكي لأنه رحل محمّلاً بالخطايا"، ولكن وإن لم تكن لديه خطايا، أما كنتَ ستبكي وتنوح؟ الآن تشتكي على الله وتقول له: "لماذا أخذتَ مني ولدي محمّلاً بالخطايا؟"، وفي الحالة الأخرى ستقول له: "لماذا أخذتَ مني ولداً صالحاً؟"، لكنك في الحالتين يجب أن تفرح. إن كان الولد خاطئاً، فلأنه توقّف عن أن يخطئ بعد ويُضيف حملاً أكبر من الآثام على نفسه، بما أنك لم تكن قادراً على مساعدته ما دام حياً، لأنه ما كان يسمع نصائحك، أما الآن فتستطيع مساعدته ليس بالدموع والنحيب، بل بالصلوات والصدقات والعطايا، وهذه حددّها الرسل القديسون ولم تأتِ مصادفةً، بل باستنارة الروح القدس. عندما يُقيم الكاهن أسرار المسيح المرهوبة أمام المذبح الإلهي، لا يذكر فقط الأحياء بل الأموات أيضاً وعندئذٍ ترتاح النفوس، وعندما نقدّم نحن لأجلها تقدمات للكنيسة أو صدقات للفقراء، نسبّب لهم تعزية ما مهما كانوا خطأة، فإن كان ولدك أيضاً صالحاً وباراً فيجب بالحريّ ألا تحزن لأنه كما الشمس الصافية والشديدة اللمعان تصعد إلى السماء، هكذا أيضاً النفس الطاهرة التي تغادر الجسد، تصعد وهي شديدة اللمعان بمرافقة الملائكة إلى ملكوت الله.

 

إذا كان ليس سيئاً أن يموت المرء، فلماذا إذاً نخاف الموت؟ لأنه لم يتملّكنا عشق الملكوت السماوي، ولأنه لم يلهبنا الشوق إلى الخيرات الآتية، فلو كان هذا حصل، لكنّا ازدرينا بكلّ خيرات الأرض. مَن يخاف الجحيم دائماً لن يخاف الموت أبداً، لا يكن فيكم فكر ولدٍ صغير بل نقاؤه، فإنّ الأولاد الصغار يخافون من الأقنعة المخيفة وغير الخطرة، لكنهم في المقابل لا يخافون النار الخطرة، هكذا إن تركهم أحد بالقرب من مصباحٍ مشتعل سيضعون يدهم على اللهب من دون تفكير ويحترقون.

 

هل تريدون أن أقول لكم سبباً آخر من أجله نخاف الموت؟ لأننا لا نعيش حياةً فاضلة ولا نملك ضميراً نقياً، وإلا لما أرعبنا الموت. أكدّ لي أنني سأرث ملكوت السموات واذبحني الآن حالاً، وسأكون مديناً لك بذبحي طالما أنك سترسلني بسرعة إلى تلك الخيرات. قد تقول لي: "لكنني أخاف أن أموت ظلماً، أتريد أن تموت وأنتً مستأهل الموت؟ ومَن هو البائس الذي يفضّل الموت وهو مستأهل إياه بينما يستطيع أن يموت ظلماً؟ إذا كان علينا أن نخاف الموت، فيجب أن نخاف ذاك الذي يجدنا مستأهلين إياه، فكلّ مَن يموت ظلماً يشبه القديسين، لأنّ معظم الذين أرضوا الله أُميتوا ظلماً وأوّلهم هابيل الذي لم يُقتل لأنه أخطأ إلى قايين بل لأنه كرّم الله، وهل سمح الله لهذا القتل أن يحدث لأنه كان يحبّ هابيل أم لأنه كان يكرهه؟ واضح تماماً أنه كان يحبّه وأراد أن يقدّم له إكليلاً أكثر لمعاناً بسبب قتله ظلماً.

 

أترى أنك يجب ألا تخاف الموت ظلماً، بل أن تموت محمّلاً بالخطايا؟ مات هابيل ظلماً لكن قايين أمضى بقية حياته حاملاً لعنة الله، متأوّهاً ومرتجفاً دائماً، مَن من الاثنين مغبوط أكثر؟ ذاك الذي توقّف عن العيش في الفضيلة أو هذا الذي عاش في الخطيئة؟ ذاك الذي مات ظلماً أو هذا الذي عُوقب بعدل؟

 

إذاً يجب ألا نبكي على كلّ الذين ماتوا من دون تمييز، بل على أولئك الذين ماتوا ولديهم خطايا كثيرة لأنه بهم تليق الدموع والنحيب ولأنه لا رجاء لهم بعد إذ لم يعد ممكناً أن يتطهّروا من خطاياهم، فهُم عندما كانوا في الحياة الحاضرة، كان هناك أمل بتوبتهم، لكن هناك حيث ذهبوا، لا يحصل أحد على أيّ أمرٍ بالتوبة. نعم لنبكِ عليهم ولكن ليس بطريقة هستيرية وغير لائقة، وليس بشدّ شعر رؤوسنا وبتمزيق وجوهنا، أو بعويل وصياح، بل بحشمةٍ تاركين الدموع تنساب بهدوء من أعيننا، وهذا يفيدنا نحن أيضاً لأننا عندما نحزن على الميت هكذا، سنحاول ألا نسقط نحن أيضاً في خطايا مماثلة. بشدّ الشعر والصراخ يُظلم الذهن، بينما الحزن الهادئ يحفظ صفاءه ويمكنه أن يفكّر في الموت بحكمة وبشكل مفيد.

 

بهذه الطريقة، فكّر أنتَ أيضاً ليس فقط عندما يموت أحد معارفك، بل عندما ترى ميتاً مجهولاً يؤخذ بموكب في الطرق إلى مثواه الأخير يرافقه أولاده اليتامى وأرملته، أقرباؤه وأصدقاؤه، وكلّ الباكين والمنكسرين. فكّر عندئذٍ في أنّ الحياة وأمورها العالمية ليست لها أيّ قيمة ولا تعدو أن تكون أضغاث أحلام وظلالاً.

 

أنظر كم من قلاعٍ وقصور ملوكٍ وحكام وزعماء هي متراكمة أنقاضاً! فكّر في القوة والغنى اللذين كانا لديهم في ذلك الوقت! أما الآن فقد نُسيت أسماؤهم. يقول الكتاب: "رؤساء كثيرون فقدوا سلطتهم وأصبحوا في التراب، بينما واحد غير معروف ولا أحد كان يتصور أنه سيصبح ملكاً، يلبس التاج" (المترجمة) (حك.سيراخ 5:11).

 

ألا تكفيك هذه؟ فكّر إذاً في ما ستكون قيمتك عندما ترقد؟ ألا يستطيع حيوان صغير جداً أن يقتلك؟ نعم، كثيرون ماتوا هكذا وهم نائمون، حقاً إن حياتنا معلّقة بخيطٍ رفيع! ينقطع وينتهي كلّ شيء.

 

فكّر هكذا ولا تنخدع بالجمال والغنى والمجد والملّذات، وليشغلك أمر واحد فقط: أين تنتهي كلّ هذه. أتعجب لكلّ ما ترى هنا على الأرض؟ إنّ ما يستحقّ الإعجاب هو ذلك المذكور في الكتب المقدسة.

 

دلّني على زعيمٍ كبير أو غني يلبس ثياباً فاخرة عندما تكويه الحمى ويصارع الموت، عندئذٍ سأسألك: "أين هو ذاك الذي كان يعبر السوق متباهياً ومتكبراً ومعه أتباع وحرّاس؟ أين هو ذاك الذي كان يلبس ثياباً باهظة الثمن؟ أين هي فخامة حياته، وترف ولائمه، وخدّامه، ومعاونوه، وضحكاته، ورخاء حياته، وبذخه"؟، كلّها ذهبت وتبخّرت. ماذا حدث للجسد الذي كان يستمتع بكلّ هذه اللذة؟ اقترب من القبر وانظر الغبار والنتانة والدود، أنظر وتنهّد بمرارة، ويا ليت المصيبة تتوقف عند الغبار الذي تراه. من القبر والدود انتقل بفكرك إلى دود الحياة الأخرى الذي لا ينام، وصرير الأسنان، والظلمة الأبدية، والنار التي لا تُطفأ، والعقابات المرة التي لا تُطاق والتي لا نهاية لها، هنا على الأرض يأتي وقت وتنتهي الأمور الحسنة والسيئة عاجلاً أم آجلاً، لكن هناك تستمر، كلتاهما إلى الأبد، لكنهما تختلفان عن صالحات هذا العالم وسيئاته، لا يمكن لأحد التعبير عنها بالكلام.

 

إذاً، ماذا حدث لكلّ تلك العظمة؟ وماذا حدث للأموال والأملاك؟ أيّ ريح أخذتها عند هبوبها وذرّتها؟ وأيضاً، لماذا هذه النفقات على الجنازة التي لا تفيد الميت وتُثقل كاهل ذويه؟ لقد قام المسيح عرياناً من القبر، يجب ألا تصير الجنازة سبباً لإشباع اهتمامنا بالمظاهر. قال الرب: "لأني جعتُ فأطعمتموني، عطشتُ فسقيتموني، كنتُ غريباً فآويتموني" (مت 35:25-36)، لكنه لم يُقل: "كنتُ ميتاً فدفنتموني، لقد أوصانا بألا نملك أكثر من غطاء واحد ونحن أحياء، فكم بالحريّ عندما نموت؟ أيّ جوابٍ سنعطي الله إذاً عندما نُنفق كمياتٍ هائلة لكي نشيّع جسداً مائتاً في اللحظة التي يجول فيها المسيح جائعاً وعرياناً بهيئة إخوتنا البشر الفقراء، ونحن لا نبالي بهذا؟

 

طبعاً كلّ ما أقوله لكم هو غير مفيد لأولئك الذين سبق وماتوا، لكن ليسمع الأحياء هذه الأقوال ويصحوا ويعقلوا ويصطلحوا، فلا بدّ من أن تأتي ساعتهم يوماً ما، لن يتأخر أولئك، ولن نتأخر جميعنا بالمثول أمام الحاكم المرهوب، حيث سنعطي الإجابات عن أعمالنا. لنجاهد إذاً حتى نصبح أحسن، كي نهجر الخطيئة ونتبع الفضيلة ولا نفقد ملكوت السموات، من أجل اكتساب الخيرات التي لا تبلى التي أعدّها لنا الرب المحب البشر.