باسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد. آمين.
يقول بولس الرسول في الرسالة التي تُليت على مسمعنا اليوم: " فَلْنُطَهِّرْ أَنْفُسَنا مِنْ كُلِّ أَدناسِ الجَسَدِ والرّوحِ ، ونُكَمِّلْ القداسَةَ بِمَخافَةِ اللّه.
كيف ينال الإنسان المسيحي القداسة وكيف يعيش الإنسان المسيحي بمخافة الله؟
جميعنا الذين نلنا نعمة المعمودية، الذين بِتنا مولودين جدداً بالمسيح يسوع، جميعنا، كما يقول بولس الرسول عندما كان يخاطب الكنائس والأشخاص في رسائله، قديسون، ففي غالبية مقدمات رسائله كان يقول: "أنتم أيّها القدّيسون، أنتم أيّها المؤمنون القدّيسون"، دلاًّ على أنّ جميعنا نحن الذين آمنّا، جميعنا نحن الذين اعتمدنا بالمسيح يسوع، وبِتنا أبناء للإله العليّ، جميعنا نحن قدّيسون.
ولكن القداسة ليست هي صفة يُنعت بها الإنسان المسيحي لمجرد اعتماده، القداسة هي تعب، القداسة هي جهاد، القداسة هي مثابرة والقداسة هي إنتباه إلى الذات.
نحن الذين نعِمْنا بمعرفة المسيح ووُلدنا بالمسيح يسوع، ونلنا نعمة الروح القدس، علينا أن نحافظ على هذه النعمة وعلى هذه البركة.
الروح القدس الذي نلناه ليس هو بذاك الشيء السحري الذي يعمل بطريقة سحريّة. الروح القدس هوالذي يقوّينا، هو الذي يشدّدنا، هو الذي يرشدنا إلى طريق الصّواب والطريق الصحيح ولكنّ الروح القدس إنْ لم نحن نفّعله في حياتنا حينئذٍ سيصير هذا الروح القدس ضعيفاً، وسنصير نحن بعيدين عن القداسة، إذا علينا نحن أن ننتبه إلى ذواتنا كيف علينا أن نسلك وما هي الطريق التي علينا أن السير فيها.
طريق القداسة هي طريق الجهاد، هي طريق التعب والإنتباه على الذات، هي طريق ممارسة كل فضيلةٍ وكل عمل صالحٍ، القداسة هي حياة الصلاة التي يعيشها الإنسان المسيحي، القداسة هي حياة الصوم، القداسة أيضاً هي حياة التواضع، هي حياة المسامحة، هي حياة الغفران، هي حياة الإحسان، هي عيش المسيح بامتياز .
لا يمكننا أن نقول أننا بتنا كاملين في المسيح إلا عندما نصير في هذه المرحلة متقدمين. جميعنا مدعوّون إلى القداسة ولكن القداسة هي هذه المثابرة وهذا التعب. "لنكمل القداسة بمخافة الله" هكذا يقول القديس بولس الرسول في رسالة اليوم، الأمر يذكرنا بالقديس أنطونيوس الكبير الذي هو أبو الرهبان والذي عاش في القرن الرابع، هذا عندما دخل إلى الكنيسة سمع كلمة الرب في الإنجيل تقول :"إنْ أردت أن تكون كاملاً فبِعْ كل ما لك وتعال اتبعني"، حينئذ ترك كل ما له وباع كلّ أملاكه ووّزعه على الفقراء وذهب وترهّب ونسك وعاش متوحداً في البرية وفي مغارة، عاش ناسكاً مدّة أربعين عاماً، وحينما خرج ليقابل الأخرين كان يخاطبهم قائلاً ومعلّماً: "إنّني لست بعد أخاف الله لأنني صرت أحب الله".
هذا القدّيس تحوّل في علاقته مع الله من علاقة الخوف من الله إلى علاقة مخافة الله، والمخافة لا تأتي إلاّ من المحبة، المخافة لا تأتي إلاّ من القلب الممتلئ بالمسيح، المخافة لا تأتي إلاّ من هذا الفكر الذي هو مرتبط بالمسيح لأنّ المخافة ليست هي إلاّ الحياة في المسيح لأنّ الإنسان المسيحي يصير، إن عاش، بمخافة الله، يخشى إن أخطئ أن يجرح محبة الله، أن يجرح قلب الله. مختلفاً عن ذاك الإنسان الذي يعيش بخوف من الله والذي إن صنع إحساناً أو تمّم فضيلةً فإنما يقوم بها خوفاً منالعقاب لا محبةً لله.
علينا نحن الذين نعيش هذه النعمة المباركة التي هي نعمة الروح القدس ونعيش نعمة. أننا كلّنا مسيحيّين أن ننتقل من هذا الخوف إلى هذه المخافة، ننتقل إلى المحبة الإلهيّة التي تربطنا بالمسيح هذه المحبة التي لا تتجسّد إلاّ بأفعال! أفعال الصلاح، أفعال الصّوم، أفعال التواضع.
الحضور الإلهي في حياة الإنسان وحضور الإنسان الدائم في حياة الله، يتأتى من كوني حاضراً دائما ومثابراً وحاراً في الصلوات. يتأتى من المشاركة المتواترة في جسد المسيح ودمه مستعداً دائماً لهذا الاستحقاق كيما أكون متّحداً بالمسح، هكذا إنسان مسيحي حاضر في الحياة الكنيسة، حافظٌ للنعمة، ممارسٌ للفضيلة، عائشٌ المسيح في كل لحظة من لحظات حياته، لهو في مخافة لله لأنه يحب الله ويخشى أن يدرح هذا القلب الإلهي بفعل سيء أو بفكر ملتوي أو بمسلك غير المسلك الإلهي.
الكل مدعو للقداسة ولكن طوبى للذي يثبت إلى المنتهى لأن هو الذي يخلص بالمسيح ومع المسيح. قداستنا تأتي من حياتنا بالمسيح من أفعالنا بالمسيح من عيشنا المسيح وتصوره دائما في حياتنا فنكون بالمسيح مبشرين وبالمسيح متقدسين وبالمسيح وارثين الملكوت.
رغبتنا في أن نكون كاملين أمام الله، وبالحق مشتركين ومتقدّسين. علينا أن نسلك هذه الدرب، درب القداسة التي فيها الإنسان يعيش مصلّياً، التي فيها الإنسان يعيش صوّاماً، يعيش متواضعاً، يعيش محسناً، يعيش غافراً للأخرين، يعيش مسيحيّاً حقاً، لأنّنا عندما نسلك في هذه الدرب عندما نعيش هذه الحياة حينئذٍ سنستحق شركة ملكوت السّموات مع المسيح.
آميــن