باسم الآب والإبن والرّوح القدس الإله الواحد آمين 

يقول المسيح في إنجيل اليوم: "لا تفرحوا لأنّ الشياطين تخضع لكم، بل بالأحرى إفرحوا لأن أسمائكم قد كُتبت في ملكوت السّماء"..

 ما صنعه الرّسل السبعين الذين ورد ذكرهم في الإنجيل المقدس، أنّهم بشّروا باسم الرّبّ يسوع عبر إرساليته لهم، بإسمه صنعوا العجائب، بإسمه طردوا الشياطين وباسم الرّبّ يسوع شفوا مرضى كثيرين. رجعوا بفرح الى الرّبّ مخبرين إياه أن الشياطين تخضع لهم. جواب المسيح جاء صادماً قليلاً، إذ قال لهم: "تفرحوا بكل هذه الأعمال، بل عليكم أن تفرحوا لأن أسمائكم قد كتبت في ملكوت السموات".

أولئك الرّسل بتلك الأعمال العظيمة، يطلب المسيح منهم أن لا يفرحوا بعِظمها، بل عليهم أن يوّجهوا فرحهم الى شيء آخر ألا وهو حضورهم وذكرهم في ملكوت السموات، والسؤال الموجّه لكل مسيحيّ ( أين يكمن فرحنا نحن المسيحيين؟).

تأتي الإجابات كثيرةً على هذا السؤال، فلجماعة يأتي الفرح كتحصيل علميٍّ سامٍ، جيدٍ يغمر منجزه فرحاً كونه أسهم بشيءٍ علمي في دنيا العولمة، ولأخرى يأتي الفرح مركزاً اجتماعياً مرموقاً يملئ فرحاً دنيويّاً آنياً بحضورٍ مجتمعي ضيّقٍ، لجمعات أخرى يأتي فرحهم، غناهم وثروتهم وأموالهم. فيصيرون في هذا الغنى وفي هذا التنعم يعيشون الفرح الأرضي الذي به يرضون عن ذواتهم، ولآخرين أيضاً يأتي فرحهم في أولادهم فيتعاملوا معهم كمقتنيات يزينونها ويتزيّنون بها  فيغدوا أولادي عِظمَ فرح الأهل دون الانتباه بأنّ أولادنا هم وديعة من قِبل الله ليكونوا أبناء الله. وأيضاً وأيضاً أفراحٍ وأفراح.

ضمن هذه الأفراح يبحث المسيحي عن فرحه الحقيقي وأين تكمن غايته من الحياة كمسيحيّ في العالم بالرّغم من أنّ كلّ ما ذُكر من أفراح لهي أشياءٌ جيدةٌ. فالأمر ليس أنّنا نترك كل هذه الامور كأنها ليست بشيء، كونها من الله ممنوحة ومن الله مباركة، ففي فرح التحصيل العلمي الله منحنا ذهناً صافياً ونشاطاً واجتهاداً، فصار لنا هذا الإنجاز العلميّ، وإن كان لنا المركز الاجتماعي فلأنّ الله باركنا وسمح، باجتهادنا، الارتقاء في المراكز وبلوغ أعلى المراتب، وإن كنا أيضاً في الغنى في بحبوحةٍ فلأنّ الله بارك أفعالنا وأعمالنا فزادنا غنى وصرنا في هذه البحبوحة المادية، أو في أولادنا فلأن الله منحنا أولاداً للسّماء وليس للأرض عبر تربية صالحة يصيرون فيها أولاداً للمسيح صالحين وفي المسيح مقدّسين.

اذاً تلك الأمور كلها هي في الفرحِ أشياء، الله باركها فيصير الانسان المسيحيّ فرِحاً فيها لفترةٍ، ولكن هناك فرحٌ، المسيحيّ لا يستطيع أن يعيش من دونه، هذا الفرح هو فرح كتابة أسمائنا في ملكوت السموات، هذا الفرح هو فرح اتحادنا بالمسيح، فرح سكنانا ملكوت السّموات. فكيف يأتينا هذا الفرح أو كيف يعيش المسيحيّ فرح الانتصار وفرح السُكنى في ملكوت السّموات.

المسيحي غير المهتم، في يومياته، يعيش لدنياهُ فقط، بالتالي يحيا ويكبر وينتهي في دنياه دون أن تكون له الحياة الحقيقيّة التي لملكوت السّموات، ولكن المسيحيّ الذي يحيى بانتباه إلى حاضره ويسعى جاهداً لغدِهِ يكون صالحاً في حياته فيتكشف أمامه المسلك الصحيح وكيفيّة كينونة حياته التي ستقوده الى فرح الشراكة مع الله في ملكوت السّموات.

المسيحي هو الانسان المصّلي لأنّ الصلاة هي هذا الحديث، هذا الحوار بينه وبين ربّه، الصلاة هي انسكاب قلب الانسان أمام الله، الصلاة هي إفراغ كيان الانسان أمام الله كيما يرانا ويرى حاجتنا، الصلاة هي هذا الحديث الذي فيه أسأل الله أشياء وأشكر الله على أشياء، الصلاة هي هذا الحوار الدائم الذي لا ينقطع. الذي فيه الانسان يعيش في الله وبصلاته يعيش الله فيه. أيضاً المسيحي بحياته الفاضلة: بتواضعه، بمسامحته وبكل عمل فاضل يقوم به يعيش فرح ملكوت السّموات، أيضاً مسلكيته في حياته، كأنّ يكون في كل يومٍ وفي كل مكانٍ وفي كل حالةٍ وجد فيها حاضراً في المسيح والمسيحُ حاضراً فيه.

المسيحي بصلاته يكون حاضراً في الله أينما وُجد في الشارع، في المنازل في غرفتنا الخاصة في أماكن عملنا في مدارسنا في مكاتبنا في سيارتنا في كل مكان وفي كل زمان نعيش فيه نتقابل مع الله، نتحادث معه في صلاة نقيّة، صلاة حارّه. أحياناً يخطىء المسيحي بأن يقول بأنّني بتلك الأمور أكتفي، اي بأنّني في بيتي وعندما أُغلق بابي على نفسي في غرفتي فإنني هناك اختلي بربي، أو عندما أصلي في المنزل أو عندما أصلي في العمل وما الى ذلك. فإنني في تلك الأوقات أكون في لقاءٍ  وفي حوارٍ مع الله. في كل تلك الأمور يخطىء المسيحي إن قال أنا أكتفي بهذه الأمور كأنني لاقيت الله وتحادثت في غرفتي أو عملي أو ... وبأني بتّ والله واحداً، الأمر ليس هكذا لأنّني في تقابل وتلاقي دائم مع الله لكن هناك مكانٌ واحدٌ يتّحد المسيحي بالله الذي هو الكنيسة وزمان واحد فقط ألا وهو القدّاس الإلهي، لأنّنا فيه نتناول جسد المسيح ودمه.

الانسان المسيحي هو ذاك الإنسان الساعي لأن يفرح في الملكوت وما فرح الملكوت إلاّ الاتحاد بالمسيح يسوع، هذا الاتحاد الذي لا يأتينا إلا عِبْرَ شركةٍ حقيقيّة في جسد المسيح ودمه، ولا يأتي هذا إلاّ من خلال التزامنا الكنيسة واشتراكنا في القداس الإلهي الذي جوهرته وثمرتهُ هو اشتراكنا بجسد المسيح ودمه.

أفراحنا في هذه الأرض كثيرة، ولكن هناك فرحٌ واحدٌ لا يعوّض ألا وهو فرح اتحادنا بالمسيح وهو الفرح الواجب على المسيحي أن يسعى إليه، الواجب على المسيحي أن يحققهُ لأن المسيحي إن عاش فرح الاتحاد بالمسيح عِبر اشتراكه بجسد المسيح ودمه حينئذٍ سيشعر بفرح الملكوت في داخله، سيشعر بفرح الحياة الأبديّة في داخله، حينئذٍ سيكون المسيحي قد اختار الطريق الصحيح وقد اختار الفرح الصحيح ألا وهو فرح عَيشِنا الملكوت، فرح اتحادنا بالمسيح. آمـين