المقتنيات الباقية
من أقوال يوحنا الذهبي الفم
إذا كان الملوك والتجار والمزارعون لا ينفقون أموالهم ولا يطرحون بذارهم دون أن يجلسوا أولاً ويحسبوا النفقات ثم الفوائد الحاصلة بعد ذلك. فإن أعجبتهم ينهضون وينفقون. وأما إذا حسبوا النفقات ووجدوا الفوائد لا تقوم بها فإنهم يعرضون عن العمل ولا يتكلفون. فإذا كان فعل هؤلاء هكذا في الأمور الدنيوية الفانية فكيف لا نفعل نحن كذلك في الأمور السماوية الباقية. وما بالنا نضيع أموالنا في الباطل وننفق كنوزنا مجاناً. وكيف لا نفكر في مثل هذا ونقول أين فوائد أتعابنا بالأمس وثمرة اجتهادنا في أيام حياتنا وأين هي أطعمتنا وأشربتنا. أليس أنها كلها قد ذهبت باطلاً وحصلنا في الخسارة والغبن وكيف لا نسأل عن الفوائد المنتظرة ونختار الأراضي الجيدة قبل أن ننفق أموالنا باطلاً ونضيع بذارنا عبثاً. وما بال أتعابنا كل يوم نامية وكنوزنا خالية. وكيف لا ننهض من غفلتنا ونتيقظ من رقادنا ونجتهد في تحصيل سعادتنا ونسلك في مسالك الفائزين. ويا للعجب إن الذين يريدون جمع الأموال تراهم دائماً منهمكين مجتهدين لا يلتذون بطعام ولا شراب ولا نوم ولا راحة. لكنهم يريدون الزيادة في الأموال والإكثار من المقتنيات. هذا مع العلم بزوالها والإيقان بمفارقتها. ونحن لا نجتهد كذلك في المقتنيات الباقية ولا نهتم في الإكثار منها. وكيف لا نسمع ربنا ينبهنا دائماً بقوله لا تكنزوا لكم كنوزاً في الأرض بل اكنزوا لكم كنوزاً في السماء. ولا تهتموا للغد. واعملوا لا للطعام الفاني بل للطعام الباقي المؤدي إلى الحياة. وقوله ادخلوا من الباب الضيق فإن المسلك الواسع والطريق الرحبة تؤدي إلى الهلاك والداخلون فيها كثيرون. ما أضيق الباب وأصعب الطريق التي تؤدي إلى الحياة وقليلون الذين يدخلونها. أرأيت كيف يمدح العيشة القشفة ويذم العيشة الناعمة ويثني على السالكين في المسالك الضيقة ويعطي الويل للمتنعمين. أسمعت قوله من لا يرفض كل شيء له فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً. وقوله أنتم ملح الأرض فإذا فسد الملح فبماذا يملح. لأنه بعد فساده لا يكون صالحاًً لشيء لا للأرض ولا لغير ذلك. ومعناه أنكم أنتم الذين ينبغي لكم أن تصلحوا جميع الأمم بحسن سيرتكم وصلاح أعمالكم وحبكم للفضيلة. فإذا كنتم أنتم الذين ينبغي أن تصلحوا غيركم تفسدون أعمالكم فكيف لا تطرحون وتداسون فسبيلنا أن نعتبر هذه الأمور ولا ننساها بل نذكرها دائماً لنفوز بسعادة ربنا الذي له المجد إلى الأبد. آمين