باسم الأب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين
اليوم نعيّد التذكار الأوّل للقدّيس الشّهيد في الكهنة يعقوب الحمطوريّ في أبرشيتنا ضمن قدّاس احتفالي وذلك أن الأبرشية ورعيتنا بشكل خاص تباركت بحلول هذا القدّيس عبر جزءٍ من رفاته وسطنا، حتى يكون مباركاً ومقدّساً أيّامنا وحياتنا حتى يكون حاضراً مظللاً إيانا بنعمته التي أخذها من الرّبّ يسوع المسيح و يسبغها علينا تلك النعمة التي هي القداسة الحقَة، التي لا تأتي إلاّ من خلال حياة تسبق هذا الإعلان القدسي الذي يأتي من الله مباشرةً ويُعلن وسط الناس من قِبل الناس.
القدّيس الشّهيد في الكهنة يعقوب الحمطوري هذا الذي نُسيَ لأكثر من ألفٍ وخمسمائة عام، عاش في دير رقاد السيدة في حمطورة في شمال لبنان، هذا القدّيس الشّهيد في الكهنة الذي تعرض لإضطهاداتٍ، تعرض لعذاباتٍ، احتمل المشقّات احتمل الآلام احتمل العذاباتِ والتقطيع حتى نال فرح الشهادة بقطع رأسهِ. هذا القدّيس مثالٌ ترك لنا سيرة حياة عطرة، نَنْعم بها، و نقرأها دائماً حتى نماثل هذا القدّيس في حياته القدسيّة.
كان أباً راعياً لرعيّة المسيح الناطقة، احتمل الإضطهاد وقدّم رعايةً صحيحة، حمل رعيّته في قلبه، وفي حياته كلها وعندما حلّ إضطهادٌ على الرعية من قِبل المماليك كان هو المدافع الأوّل، كان هو المحتمل الأوّل، كان هو القابل الأوّل للعذاب ومن بعد إضطهادٍ أليمٍ ومن بعد عذابٍ وصبرٍ واحتمالٍ وثباتٍ في الإيمان بالرّبّ يسوع نال الشهادة عبر قطع رأسه.
هذا القدّيس الشّهيد في الكهنة وكثيرون غيره من القدّيسين تركوا بصماتٍ في تاريخنا، حتى إذا ما عدنا إليه نقرأ حياتهم لنتصورها نحن في حياتنا كقداسةٍ ومسلكٍ، هم أناروها قبلنا ونحن بظلهم وبنورهم وبقداستهم نستظل ونستنير لكيما نسير الدّرب الصحيح فنبلغ وإيّاهم احضان الرّبّ يسوع في ملكوت السّموات.
القداسة هي هذا المسلك الإيماني الصحيح، هذا المسلك الجهادي، هذا المسلك الذي بالصبر نحتمل المشقّات، بالصبر نحتمل الآلام، نحتمل الإضطهادات، نحتمل التعيير كما قال القدّيس الرسول بولس في رسالة اليوم أيضاً. القدّاسة هي حالة الصّلاة التي يعيشها الإنسان المسيحيّ الذي فيها يرتبط مع ربه، هذه الصّلاة التي تنتقل من القلب، من كيان الإنسان كلّه الى الرّبّ يسوع، حياة الصّلاة هذه التي فيها يناجي الإنسان ربه، الذي فيها يحاكي الإنسان ربه بإستمرار. حياة الصّلاة التي فيها يكون الإنسان مرتبطاً مع ربه ارتباطاً وثيقاً، حياة الصّلاة التي تثبتنا أيام الإضطهاد، التي تثبّتنا في الشّدائد، التي تثبّتنا في أيام الأمراض، وفي أوقات العذابات، وفي أوقات الشّدائد والمحن. عندما نصير في أوقاتٍ يمتلئ قلبنا حزناً أو يتملّك قلبنا ألـماً أو غمّاً فنتغرّب عن الحياة في المسيح. في هكذا حالةٍ تأتي الصّلاة كانسكاب القلب المتألّم والمريض والمعذّب أمام الله، فتعيد لنا هذا النور الذي فقدناه من قلبنا وتنقي كياننا وعقلنا فتنزع عنّا هذه الآلام، وتزيل هذا الغشاوة، فتعود بحياتنا إلى نور المسيح الذي به نستضيء، به نُبعد عنا الألم، به نُبعد عنا الغمّ، به نُبعد عنّا الأمراض، لأنّ الصّلاة الحارّة التي بقلبٍ صادقٍ وعقلٍ نيّرٍ هذه الصّلاة هي التي تبلغ أحضان الله في السّماء وهي التي ترفعنا الى ملكوت السّموات فنكون معاينين لكلّ أمر قدسيّ. بالصّلاة، القدّيس الشّهيد يعقوب احتمل المشقّات، كان دائماً مصلّياً الى الرّبّ يسوع أنْ يمنحه العزم على احتمال هذه الاضطهادات وهذه الشدائد. الصّلاة كانت مرافقته في تعذيبه، كان مؤمناً وموقناً أنه بها سيتحمل كلّ ألـم، سيتحمل كل عذاب، حتى أنه سيتحمّل قطع الرأس ليقدّم شهادة صالحة للرّبّ يسوع. فيكون بحياته ومسلكه شاهداً للرّبّ يسوع، وبخاتمة حياته العطرة، شهيداً للرّبّ يسوع أيضاً.
القداسة مطلبٌ للمسيحي، القداسة هدفٌ للمسيحي، القداسة غاية المسيحي، القداسة لا تأتينا هكذا، القداسة نحن نذهب اليها، القداسة نحن الذين علينا أن نجتهد حتى نحصل عليها، القداسة هي أنْ نغصب ذواتنا كما يقول الرّبّ يسوع المسيح "لأنّ الملكوت يغتصب اغتصاباً والذين يريدونه يغصبون ذواتهم على كل عمل صالح وعلى كل فضيلة. القداسة هي هذا الجهاد، القداسة هي هذه الحياة التي فيها التواضع هو مقدّسنا والمسامحة والغفران مسلكنا، والصّلاة تكلّلنا وتحفظنا وممارسة كل عمل صالح وكلّ فضيلة عوناً لنا في قداستنا.
العيد اليوم هو فاتحةٌ لنا بهذه البركة التي حلّت في هذه الرعيّة وهذه الأبرشيّة عبر حضور هذا القديس بجزء من رفاته لكيما يثبّتنا، لكيما يحمّسنا، لكيما يدفعنا قُدُماً لنعيش حياة الصّلاة، لنعيش حياة الالتزام لكيما نسأل دائماً القداسة ونسأل دائماً الارتباط بالرّبّ يسوع المسيح.
شهادة هذا القدّيس في الحياة عليها أن تكون معلّمةً لنا وخاتمة حياته أيضاً عليها انْ تكون قائدة لنا بأنّنا مهما اشتدت الصّعاب ومهما اشتدت الآلام ومهما اشتدت الصّعاب والعذابات، سيكون الرّبّ حاضراً معنا مشدّداً إيانا وداعماً لنا، كيما نثبت في إيماننا ونثبت فيه لأنّنا بهذا الثبات سنستحق أنْ نصير أبناء الملكوت.آميــن